أرشيف

Archive for the ‘في الترجمة’ Category

  واقع الترجمة في سورية

واقع الترجمة في سورية

فؤاد سليم أبو زريق

عند محاولتنا مقاربة مفهوم واقع الترجمة في سورية مثلاً توصيفاً دقيقاً فإننا نقع في شراك الاجتزاء على أكثر من منحى:

ـ اجتزاء في المفهوم (واقع): ذلك أن الحديث عن ترجمة يقوم بها مترجمون أو مؤسسات في بلد ما يبقى رهناً برؤية هذا المترجم أو ذاك، وكذلك برؤية هذه المؤسسة أو تلك، لأن الحديث عن واقع يعني، فيما يعنيه، ما تم إنجازه في إطار الترجمة على أنه عمل منته، فيه يكمن سرّه، وبعبارة أخرى: تمثل الترجمة، والحال هذه، عملاً منجزاً كون الترجمة قد وقعت بالفعل، وبالتالي فإننا ننجرّ إلى الحديث عن واقعة، وليس عن إسهام في إطار (واقع).

كما إن الاهتمامات تفرض، إضافة إلى السياسات، نماذج يقوم بانتقائها أشخاص، إما لإعجابهم بها وإما كونها تملأ جانباً من جوانب الحياة الثقافية، كونها تستجيب لروح العصر، أو لإثارة إشكالية ما بغية قول رؤى أفرزتها مجتمعات أخرى، أو قل تجارب في إطار إنساني، مع ما يتعالق فيها من اهتمامات فكرية وتكوين قيمي وفكري، واصطفائية على معيار أو سيطرة معمّاة، ديدنها التراكمية.

كما ويمكن أن تقوم مؤسسات ثقافية أو غير ثقافية بانتقاء أعمال ما كونها تستجيب لسياسات هذه المؤسسة أو رؤاها أو ما ترغب في ترويجه، وذلك دعماً لإسهاماتها أو بغية تهيئة المجتمع لقبول معايير ليست بالضرورة أن تكون سائدة في مجتمعنا.

ـ اجتزاء في المفهوم (ترجمة): إذ إن الحديث عن الترجمة يجب أن لا يقتصر على موضوعة الترجمة إلى العربية، كونها مستقراً أو قل مصباً بل ومنها على أنها منطلق أو منبع أيضاً وقد يكون بين الموضوعتين نواقل أو قل وسائط كأن تترجم عن لغة وسيطة مثلاً، وبذلك يشكل المصب منبعاً جديداً، أو قل المستقر منطلقاً جديداً هو الآخر، مما قد يشوه، المنبع الأول أو المنطلق الأول، كأن يدخل في نهرها سواقي أخرى تؤثر إلى حد ما في مذاقها عند المتلقي فيما لو عرفها في سواها.

ـ اجتزاء على الاجتزاء: واقعات الترجمة في سورية، على سبيل المثال، لا يمكننا الحديث عن الترجمة إلى (اللغة السورية) أو منها جدلاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يجري الحديث مطلقاً عن لغة سورية، أثناء الحديث عن ترجمة في سورية، بل عن العربية، والفصيحة تحديداً، وإن كانت ثمة ترجمات إلى المحكية في بعض الحالات.

يجري الحديث إذن عن العربية غير القارّة في مكان أو قطر أو إقليم، سواء كان مصباً أو منبعاً هذا من جانب، وحتى إذا كان الحديث يجري عن مترجمين سوريين يقومون بالترجمة إلى العربية عن لغات أخرى، ويتم نشرها في سورية، فالاجتزاء قائم أيضاً، ذلك أنه قد يقوم بالترجمة مترجمون سوريون ولا يتم النشر في سورية والعكس صحيح؛ فقد يقوم مترجمون غير سوريين بالترجمة وينشرون ترجماتهم في سورية كذلك. إذن، نحن أمام إشكالية في مفهوم الترجمة واقعاً ومفهوماً.

معوقات حركة الترجمة:

إن معوقات في حركة الترجمة متعلقة تعلقاً وثيقاً بمعوقات من نوع آخر، اقتصادية كانت أم فكرية، ثقافية أم أيديولوجية، أو اجتماعية، ولكل منها ما يميزها من غيرها، وقد تتحالف جميعها في إبراز معوقات جديدة، وقد تؤدي إحداها إلى الأخرى في سلسلة تبدو غير منتهية وتختلف من قطر إلى آخر، ومن مكان إلى آخر منها:

ـ الرقابة ـ المعيارية ـ الانتقائية ـ هيمنة دور النشر ـ الحالة الاقتصادية ـ الأيديولوجيا.. وغيرها إضافة إلى إشكالية المصطلح وتوحيده، عدم التعمق في فهم الأسلوب المراد الترجمة عنه ـ عدم الإمساك بالنص الأصلي ومراعاة منطقية الفكرة ـ عدم القدرة على الانتقال من مفهوم الترجمة كعمل إلى مفهوم الترجمة كفعل.. وما يترتب على ذلك من قدرات تتفاوت بين مترجم وآخر من جانب، وبينها وبين الترجمة الحاسوبية إن صحّت العبارة، من جانب ثان.. وهكذا..

من يدعم حركة الترجمة:

ليست المعيارية عندي هي من يدعم حركة الترجمة فقط بل كيف ندعمها، كل من موقعه متلقياً كان أم مترجماً؛ ناشراً أم مؤسسات.. وهكذا.. وإذا كان من دعم لحركة الترجمة فهو منوط بالانفتاح والحرية وتذليل ما يعيق حركة الترجمة كسطوة الرقابة التي تمارسها مؤسسات اتخذت من نفسها رقيباً.. وما إلى ذلك…

دور المؤسسات الحكومية في دعم حركة الترجمة

ـ تحتاج المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، إضافة إلى المؤسسات الاجتماعية إلى تطوير كوادر ثقافية قادرة على إقامة حوار متكافئ مع الثقافات الأخرى.

ـ تحقيق الحرية الفردية بما يؤدي إلى حرية ثقافية، فلا حرية ثقافية لأي جماعة في غياب من حرية أفرادها، إذ إن حرمان الإنسان من حقوقه سيكبل حرية المجتمع ويصبح عاجزاً عن التصدي للغزو الثقافي.

ـ توفير الدعم المادي والمعنوي للمترجم بعيداً عن سطوة الأيديولوجيا والشعارات.

ـ العمل حثيثاً على فهم آلية (تمنطق) اللغات الذي بات خطوة ضرورية حتى تدين معالجتها بوساطة نظم الذكاء الصناعي وآلات استنتاجها المنطقي.

ـ فتح المجال لمفهوم المشاركة وذلك للتخلص من نزعات التعصب والعنف، واكتشاف الآخر من خلال اكتشاف الذات بما ينطوي ذلك على تعليم اللغات الأجنبية لنقل أفكارنا المتسامحة إلى الآخرين.. وتذليل عوائق فهمنا الآخر.

ـ تنمية مهارات الحوار ومحاولة القضاء على مفهوم التلقي السلبي في مجتمعنا.

ـ المساهمة في بناء بنوك المصطلحات.

ـ توفير نظم الدعم، وتوفير المعاجم والقواميس وقوائم المترادفات والصيغ المسكوكة والمسارد والمكانز وقواعد ذخائر النصوص.

ـ العمل على استخدام قواعد بيانات معجمية لتوحيد المصطلحات.

ـ استخدام وسائل التحليل اللغوي لصياغة المفردات في هيئة من السمات الدلالية وغيرها…

مستقبل الترجمة:

في عصر النهايات كنهاية المسافة ونهاية التاريخ ونهاية المدينة ونهاية المؤلف.. إلى المابعديات، كـ ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية وما بعد الكتابة وما بعد الرمز.. إلى المنفيات بلا كمكاتب بلا جدران ووطن بلا مواطنين، وموظفين بلا مكاتب ورواية بلا نهاية وسياسة بلا نواب.. أنتظر معكم ، ولكن بنوع من الحذر مصطلح ترجمة بلا مترجمين، وتقتصر عندئذ مهمة (المترجم) إن وجد على الاختيار أو التنطّح لترجمة بعض النصوص المغرقة في الأدبية أو الماورائية…

الإعلانات
التصنيفات :في الترجمة