أرشيف

Archive for the ‘بحوث استراتيجية’ Category

نظام الانتخابات النسبي وعتبة الحسم القانونية

د. فؤاد سليم أبو زريق

 

الشرط الضروري لسير الديمقراطية التمثيليّة هو إجراء انتخابات عامة، يأذن فيها المواطنون لممثليهم في التصرف نيابة عنهم لفترة محدودة. وللانتخابات تأثير ملحوظ على طبيعة النظام السياسي، خاصة بسبب تقرير عدد الأحزاب وحجمها فيها. وتؤثر الانتخابات كذلك على تركيبة السلطة التشريعية الاجتماعية، وعلى سلوك الأعضاء المنتخبين لا سيّما بسبب رغبتهم في أن يعاد انتخابهم ثانية. تؤثر نتائج الانتخابات التي تنتهجها الأنظمة البرلمانية السائدة في أغلب الديمقراطيات القارّة على سيرورة تشكيل الحكومة، وعلى تركيبتها.

     يحدد النظام الانتخابي كيفية تمثيل المرشحين والأحزاب المتنافسة في الانتخابات أمام الناخبين؛ فمثلاً إذا كان التصويت للأحزاب فقط، أو كان يحتوي على عنصر شخصي. كما وتحدد كيف تترجم أصوات المواطنين إلى تمثيل؛ فيما إذا كان من فاز بالأغلبية يفوز بالتمثيل كاملاً على سبيل المثال أم إن التمثيل يوزع على الأحزاب بناء على نسبة التأييد النسبي لها. لقد وقف كثير من الباحثين، ومنذ فترة طويلة على أهميّة النظام الانتخابي (Duverger,1954;Rae,1967;Sartori,197) حتى إنهم ادّعوا أن النظام الانتخابي هو المؤسسة الأهم من بين المؤسسات السياسية (Schum peter,1942).

     نظام الانتخاب النسبي هو الطريقة الشائعة بين الدول الديمقراطية (Reynolds, Reilly, and Ellis, 2005)، المبدأ الأساس في نظام الانتخابات هذا هو أن تعكس نسبة المقاعد التي يفوز بها الحزب في المعركة الانتخابية نسبة الأصوات التي فاز بها في الانتخابات. وبعبارة أخرى، إن توزيع المقاعد في البرلمان وفق نظام الانتخابات النسبي يعكس ما يفضله الناخبون شريطة أن تجتاز الأحزاب المتنافسة حواجز الدخول المنصوص عنها في القانون (Lijphart,1994).

     لابد من الإشارة، بادئ ذي بدء، إلى إحدى مزايا النظام النسبي وهو مبدأ التقيّد الصارم بأساس النسبية الذي يوفر إمكانية حقيقية لمختلف الفئات الاجتماعية ولا سيما النساء والأقليات، للفوز بتمثيل في مجلس النوّاب (Rule, 1987; McAllister and Studlar,2002; Matland, 2006)([1]). ثمة مزية أخرى في النظام النسبي وهي إن نسبة الأصوات المهدورة – تلك التي ليس لها تمثيل في مجلس النواب – منخفضة جداً مقارنة بنظام الأغلبية الذي يتم وفقه طرح العديد من الأصوات في سلة المهملات. وعلاوة على ذلك، فإن نظام النسبية يساعد على بلورة قاعدة شرعية واسعة لجهاز السلطة ويشجع على سياسة الاحتواء والوسطية، وهو يناسب أساساً المجتمعات غير المتجانسة أو المجتمعات الممزقة. وبناء على ما قاله لايبهارت، فإن النظام النسبي هو عنصر أساس في الديمقراطية التوافقية، والدول التي اعتمدت هذا النظام تكون قادرة على ضمان وجود ديمقراطية مستقرة، حتى مع وجود انقسامات عرقية، واجتماعية ولغوية ودينية وثقافية عميقة (Lijphart, 1977,1994, 1999).

     ومن بين نقاط الضعف الأبرز في نظام التمثيل النسبي يمكننا أن نشير إلى إنه يميل إلى تشجيع التعددية الحزبية («المتطرفة» أحياناً)، مع عدد كبير من الأحزاب وبعد أيديولوجي وموضوعي واسع النطاق على وجه الخصوص. ونتيجة ذلك، تجد الأحزاب الفائزة، في الأنظمة البرلمانية، صعوبة في تشكيل ائتلاف إن لم تفز بأغلبية مطلقة من المقاعد، وفي المحافظة عليه على مر الزمن. وغالباً ما تكون عرضة لضغوط من المساومة يصعب معها الحكم، وخصوصاً عندما تكون الأحزاب الصغيرة لسان الميزان في تشكيل الائتلاف. ونتيجة ذلك كله، يحد النظام النسبي من القدرة على اتخاذ سياسة طويلة الأجل وتنفيذها على وجه الخصوص. ويرى البعض إن النظام النسبي يوفر أيضاً الأرض الخصبة لظهور التطرف والانقسام وتعزيزهما. وبعبارة أخرى، فإن النظام لا يعكس فقط مستوى الانقسام الموجود في المجتمع بل ويساعد على إنشائه أيضاً، مع سماحه للعوامل المتطرفة أو الانفصالية من أن تتجذر وتتقوى.

     يترافق النقاش العام الذي ينادي بإصلاح النظام الانتخابي على الأغلب مع الدعوة إلى رفع نسبة الحسم، والتي تسمى وفق المصطلحات المهنية بـ«عتبة الحسم القانونية» (legal threshold). ويجري الحديث عن آلية قانونية تكون وفقها القائمة الانتخابية المتنافسة في الانتخابات ولم تفز بنسبة محددة من الأصوات الصالحة، لا يحق لها تقاسم المقاعد في مجلس النواب. تم إنشاء هذه الآلية لتحقيق هدفين رئيسين. الأول، إيجاد عتبة سياسية في وجه الأحزاب الجديدة، وخصوصاً المتطرفة منها والتي من شأنها أن تهدد النظام. فقد اعتمدت في ألمانيا عتبة حسم قانونية عالية جداً، كمعطى من جمهورية فايمار، التي مكنت عتبة الحسم المنخفضة فيها الحزب النازي الذي كان ممثلاً في البرلمان، لسنوات من ممارسة نشاطه – قبل شق طريقها الانتخابي – بنسبة تأييد قليلة. الهدف الثاني والمتعلق بهذه الآلية هو تخفيض عدد الأحزاب في مجلس النواب بغية الحد من مستوى الانقسام المرتفع في الجهاز السياسي وبغية تعزيز القدرة على الحكم. بالمقابل، من المناسب أن ننتبه إلى الثمن الذي جلبه وجود هذه الآلية: إن عتبة الحسم القانونية تضر بالتعبير عن تفضيلات الناخبين وبأساس التمثيل. وكلما كانت أعلى كان الضرر أكبر في نسبية التمثيل.

     لا تتبع الدول جميعها عتبة حسم قانونية، وبدقة أكبر، بعض الدول، ومنها إيرلندا والبرتغال وفنلندا، قانون الانتخابات فيها لا يحوي عتبة حسم رسمياً. ولكن في تلك الدول، فضلاً عن البلدان التي استخدمت فيها العتبة القانونية، شكل التقسيم إلى دوائر انتخاب عتبة دخول تبادلية، والمعروفة في الأدبيات البحثية باسم «العتبة الفعّالة» (effective threshold)([2]). العتبة الفعالة هي الحد الأدنى من نسبة الأصوات المطلوبة للفوز بمقعد. بالمقارنة مع العتبة القانونية هذا هو المفهوم الأكثر تعقيداً والذي يمثل مجموعة واسعة من الخيارات اعتماداً على خصائص الجهاز المختلفة، مثل عدد ممثلي الدائرة الانتخابية (أو حجمها)، وعدد الأحزاب المتنافسة في الانتخابات وحجم مجلس النواب وصيغة توزيع المقاعد. بين هذه المتغيرات عرف تأثير كبير جداً لحجم الدائرة على العتبة الفعالة: فكلما كانت الدائرة أكبر كانت نسبة الأصوات المطلوبة للفوز بمقعد أصغر. ففي الدائرة ذات الـ 100 مقعد يكفي الفوز بنسبة 1% من الأصوات لضمان التمثيل في البرلمان. وفي الدائرة ذات الـ 10 مقاعد يكفي الفوز بنسبة 10% من الأصوات لضمان التمثيل، بينما الدائرة ذات المقعد الواحد فقط، تحتاج إلى أكثر من نصف أصوات الناخبين لضمان التمثيل في البرلمان.

     كما يدل الجدول الآتي، فإن ثمة عتبة قانونية تتراوح بين 0.67% و5%، في بعض الدول الديمقراطية التي تتبع النظام النسبي([3]). الدولتان اللتان فيهما العتبة القانونية الأخفض هما هولندا (0.67% من الأصوات) وقبرص (1.8% من الأصوات). بينما العتبة القانونية في الدانمارك هي 2% والدول  المتبقية العتبة القانونية فيها هي الأعلى: العتبة القانونية في إسبانيا تبلغ 3% على مستوى الدوائر الانتخابية (لا معنى لها تقريباً نظراً إلى إن العتبة الفعالة أعلى بكثير، على الأقل في الدائرتين الانتخابيتين الكبيرتين)؛ وفي بلجيكا هي 5% على مستوى الدوائر الانتخابية بعد إصلاحات عام 2003. وفي الدول التي تتبع أكثر من مستوى انتخاب واحد، من شأن عتبة الحسم أن تكون مسألة معقدة جداً. ففي النمسا على سبيل المثال يجب أن يحصل الحزب على 4% من الأصوات على الأقل على المستوى الوطني أو مقعد واحد على مستوى الدوائر. وفي السويد يحتاج الحزب إلى 4% من الأصوات على المستوى الوطني، وإذا لم يبلغ هذه العتبة عليه الفوز بـ 12% من الأصوات على الأقل في دائرة انتخابية واحدة. وفي جمهورية التشيك تتعلق عتبة الحسم بطابع القائمة المتنافسة في الانتخابات، فإذا كان الحزب مستقلاً، عليه أن يبلغ عتبة حسم مقدارها 5%؛ وإذا كان ائتلافاً من حزبين تكون عتبة الحسم 10%؛ وإذا كان ائتلافاً من ثلاثة أحزاب تكون عتبة الحسم 15%؛ أما إذا كان ائتلافاً من أربعة أحزاب فأكثر، فإن عتبة الحسم تكون عندئذ 20%. العتبة القانونية الأكثر إثارة للجدل هي في اليونان في الثمانينيات، فقد كان مطلوباً من الحزب أن يحصل على 17% من أصوات الناخبين للفوز بتمثيل، ثم أبطل بسبب التزوير الذي حصل في نتائج الانتخابات عام 1989 (Farrell, 2001: 82). ولاستكمال الصورة ينبغي أن نذكر الدول التي تعتمد عتبة قانونية، لكن النظام الانتخابي فيها يضع استثناءات. ففي بولندا على سبيل المثال، العتبة القانونية هي 5% للأحزاب (8% للتحالفات)، ولكن الأقليات في الدولة تستثنى من العتبة. كذلك الأمر في ألمانيا التي تعتمد النظام المختلط([4])، الأقليات القومية فيها غير ملزمة بالحصول على 5% من الأصوات لتشارك في تقاسم مقاعد البرلمان([5]).

 

 العتبة القانونية وعدد الأحزاب الفعال في بعض الديمقراطيات التي تتبع النظام النسبي

N.jpg

ملاحظات:
1. عتبة الحسم في كوستاريكا هي نصف حصة، الناتج من تقسيم الأصوات الصحيحة على عدد المقاعد المتاحة للتنافس عليها في الدائرة.
2. عتبة الحسم في قبرص للأحزاب 8% وللائتلافات 10%.
3. عتبة الحسم في النمسا هي 4% من الأصوات على المستوى الوطني، أو مقعد واحد على مستوى الدوائر الانتخابية.
4. انتقلت إيطاليا عام 2006 من النظام المختلط إلى النظام النسبي وفق صيغة هاير. عتبة الحسم 4%، للأحزاب المستقلة فقط. ولائتلاف الأحزاب 10%؛ وللحزب في الائتلاف 2%.
5. العتبة القانونية في السويد 4%، على المستوى الوطني أو 12% من الأصوات على مستوى الدائرة.
6. عتبة الحسم في جمهورية التشيك 5% فيما يتعلق بالأحزاب فقط؛ وهي 10% للائتلاف المكون من حزبين؛ و15% للائتلاف المكون من ثلاثة أحزاب؛ وهي 20% للائتلاف المكون من 4 أحزاب فأكثر.
7. العتبة القانونية في بولندا هي 5% للأحزاب و 8% للائتلافات، وتعفى الأقليات من عتبة الحسم.
8. تشير عتبة الحسم في إيسلندا إلى المقاعد التسعة الإضافية الممنوحة تعويضاً على مستوى البلاد.
المصدر: بالاعتماد على

:Gallagher, 2009; Elections Indices

http://www.tcd.ie/Political_Science/staff/michael_gallagher/EISystems/Docts/ElectionIndices.pdf; Inter-Parliamentary Union, 2012a

     وعموماً، فإن عتبة حسم عالية تكون مستحسنة مع الأحزاب الكبيرة، لكنها، في الوقت نفسه، قد تضر بنسبية التمثيل وبالتالي بشرعية النظام الانتخابي. ومن شأن عتبة حسم منخفضة أن تضمن التمثيل، لكنها، في الوقت نفسه، تفضي إلى جهاز حزبي مفكك، يصعب معه في الأنظمة البرلمانية تشكيل ائتلافات قارة، وترجمة تفضيلات الناخبين إلى قرارات سياسية، وقدرة على الحكم. ويظهر الجدولان 2.2 و2.3 فيما يلي محاكاة انتخابات الكنيست عام 2009 في حال كانت عتبات الحسم أعلى من 2% في قانون الانتخابات. تمكن هذه المحاكاة من الوقوف على تأثير ترجمة الأصوات إلى مقاعد (وهو ما يسمى في الأدبيات بـ «الأثر الميكانيكي» لنظام الانتخابات) وليس على سلوك الناخبين والسياسيين («التأثير النفسي» – كيفية تصويت الناخبين وكيفية تنظيم السياسيين مع علمهم بأن هذه هي قواعد اللعبة). ومن المقبول عموماً أن نفترض أنه من اللحظة التي يدرك فيها الناخبون تأثير عتبة الحسم الجديدة أن يصوتوا أكثر للأحزاب الكبيرة (التصويت الاستراتيجي)، إذا كان أول أفضلياتهم التصويت للحزب الذي تكون فرصه في اجتياز عتبة الحسم الجديدة منخفضة. ثمة سبب معقول للاعتقاد بأن الأحزاب الصغيرة أيضاً ستترابط فيما بينها وستشكل قائمة مشتركة بغية زيادة فرصها في اجتياز عتبة الحسم الجديدة.

     وعند الحديث عن إصلاح في نظام الانتخابات وآثاره يمكننا استحضار التجربة البلجيكية، فقد وافق أعضاء الائتلاف البلجيكي في إبريل نيسان 2002 على إصلاح نظام الانتخابات، ودخلت هذه الإصلاحات حيز التنفيذ في انتخابات 2003. تضمن الإصلاح تغييرين رئيسين: تحديد العتبة القانونية بـ5% على مستوى دوائر الانتخاب وتقليص عدد الدوائر الانتخابية من 20 إلى 11، على سبيل زيادة متمعنية في عدد الممثلين المنتخبين في كل دائرة([6]). يهدف رفع عتبة الحسم إلى وضع آلية للحد من انقسام الجهاز الحزبي في بلجيكا ولكن تقليص عدد الدوائر الانتخابية وزيادة حجمها يؤديان في الواقع إلى الحفاظ على مدى النسبية والانقسام (Hooghe, Noppe, and Maddens, 2003). هذه الإصلاحات المتضاربة تصعب من عملية تقويم أهداف الجهاز الحزبي عموماً وعدد الأحزاب خصوصاً.

     يظهر تحليل نتائج انتخابات عام 2003 أنها كانت انتخابات «عادية»، ولم تسجل، في هذا المفهوم تغييرات متمعنية في خارطة الأحزاب. وكانت نسبة الأصوات التي فاز بها كل حزب، الأحزاب الصغيرة على الغالب، مشابهة تماماً لنسبة الأصوات التي فاز بها في انتخابات 1999. وكان من الممكن عملياً الإشارة إلى تأثير رفع عتبة الحسم على 3 من أصل 150 مقعداً فقط، وأبقى إصلاح نظام الانتخابات مستوى النسبية والانقسام المرتفع بلا تغيير (المرجع السابق نفسه). ويدل تحليل نتائج انتخابات عام 2007 على غاية متداخلة: اتضح أن ثمة انخفاضاً معيناً في مقياس الأحزاب الفعال في الدوائر الانتخابية كلها (بمعدل0.7-)؛ هذا من جانب، بينما ارتفعت من جانب آخر نسبة المقاعد التي فازت بها الأحزاب الصغيرة ارتفاعاً ملحوظاً (5.2%) مقارنة مع انتخابات عام 2003.

     يمكن لانتخابات عام 2003 وعام 2007 أن تشكل منطلقاً جيداً لجهة تأثير تغيير نظام الانتخابات على الجهاز الحزبي على المدى القصير، ويبدو للوهلة الأولى أن لتحديد العتبة القانونية بـ5% ثمة قدرة على التغيير: تضررت الأحزاب الصغيرة التي دخلت انتخابات عام 2003 بسبب هذا الإجراء. لكن نتائج انتخابات عام 2007 تشير إلى إنه لم يتم الحديث بعدُ عن غاية متميزة. فعلى الرغم من تسجيل انخفاض ما في عدد الأحزاب الفعال في الدوائر الانتخابية، إلا إن نسبة تمثيل الأحزاب الصغيرة (بالمقاعد) ارتفعت. تضمنت عملية إصلاح النظام الانتخابي في الحالة البلجيكية اثنين من التدابير المتناقضة إلى حد ما، يوازن أحدهما الآخر. فتحديد العتبة القانونية من ناحية بـ 5% على مستوى دوائر الانتخاب، والذي من شأنه أن يقلل من عدد الأحزاب؛ وخفض عدد الدوائر الانتخابية من ناحية أخرى من 20 إلى 11، من شأنه أن يحافظ على التعددية الحزبية (أي أن تصوت الدوائر الكبيرة لصالح الأحزاب فالعتبة الفعالة أدنى). وصحيح أنه وحتى كتابة هذه السطور، ليس ثمة مؤشرات على وجود تأثير ماهوي لرفع نسبة الحسم في بلجيكا على الانقسام في البرلمان وعلى نسبية الانتخابات على ما يبدو فيما يتعلق بتقليص عدد الدوائر إلى النصف تقريباً وزيادة حجمها.

 

ملخص وتوصيات

عندما نعمد إلى مسألة وضع عتبة قانونية أو رفعها علينا تحقيق التوازن بين القيم المهمة والإشكالية: ضمان التمثيل من جهة، الأمر الذي يتطلب عتبة حسم منخفضة (مما يؤدي إلى جهاز حزبي ممزق)، والحفاظ على نجاعة السلطة وقدرتها على الحكم من جهة أخرى، والتي تتطلب عتبة حسم مرتفعة. عملية وضع عتبة قانونية أو رفعها رفعاً معتدلاً تقلل من عدد الأحزاب وتخفف قليلاً من التطرف، ومع ذلك لا تضر كثيراً بأساس التمثيل وخصوصاً بالأقليات. وكما يتضح من المحاكاة، فإن وضع عتبة حسم عالية قد يضر جذرياً بتمثيل الأقليات، إلى حد شطبهم من الخارطة الحزبية.

  • تشجع العتبة القانونية المعتدلة على وجود تحالفات بين الأحزاب قبل الانتخابات وبذلك تقلل من هدر الأصوات (على فرض أنه من اللحظة التي يستوعب فيها الجمهور هذا التغيير، فإنه سيصوت تصويتاً استراتيجياً). ويمكننا أن نفترض أيضاً أن تطالب هذه التحالفات بالتخفيف من المصالح الطائفية والتأكيد في برامجها خصوصاً على المصالح العامة والوطنية.
  • تقوي العتبة القانونية المعتدلة الأحزاب الكبيرة (كما تظهر المحاكاة)، وتسهل من عملية تشكيل الحكومة وتعزز قدرتها على الحكم.
  • تمكن العتبة القانونية المعتدلة من اختبار تأثيرات هذا التغيير نحو دراسة عمليات رفع إضافية مستقبلاً.

 ([1])إلا في حالات استثنائية تكون فيها عتبة الحسم القانونية مرتفعة جداً أو تكون فيها الدائرة الانتخابية صغيرة جداً.

 ([2])ثمة خلاف في الأدبيات المهنية بشأن التعريف العملاني لهذا المصطلح. لمزيد من التفاصيل، انظر: Gallagher,2005.

 ([3])عتبات الحسم المرتفعة متبعة في تركيا (10% من الأصوات) وفي روسيا بعد عام 2007 (7% من الأصوات)، وكلا البلدين ليسا مجالاً لدراستنا المقارنة لأنهما ليسا من الديمقراطيات الليبرالية.

 ([4])يجمع النظام الانتخابي المختلط بين نظامين انتخابيين مختلفين. قسم من المرشحين يتم انتخابهم وفق النظام الأكثري البسيط في دوائر أحادية التمثيل، وقسم من المرشحين يتم انتخابهم وفق نظام التمثيل النسبي في دوائر متعددة التمثيل.

 ([5])تشير المادة 6 (6) من قانون الانتخاب الألماني إلى إن توزيع المقاعد بين القوائم في الدولة يتم فقط على الأحزاب التي فازت بـ5% من الأصوات الصالحة أو التي فازت بـ3 دوائر أحادية التمثيل مع ذلك يشير قانون الانتخاب في المادة نفسها إلى إن الأحزاب التي تمثل أقليات قومية مستثناة من هذا الشرط.

([6]) تقرر أيضاً في الإصلاح عام 2002 إلغاء طريقة المنطقة الكبرى التي كانت متبعة حتى تلك الفترة بهدف التعويض على الأحزاب الصغيرة، فضلاً من تمكين الإشارة إلى بعض التفضيلات الشخصية (وليس تفضيلاً واحداً) في بطاقة الاقتراع.

الإعلانات
التصنيفات :بحوث استراتيجية

أضواء على الكتاب المقدس

تم نقل “الكتاب المقدس” من الولايات المتحدة إلى (إسرائيل) وهو دليل ضخم ووثائق تملأ صندوقاً طوله ستة أقدام وارتفاعه عشرة أقدام‏

[Items stolen, washington Post. April 1989 .9‏]

يحوي صوراً لمنشآت متعلقة بالأمن قامت طائرات المراقبة الأميركية بالتقاطها على علو شاهق، كما اشتمل على معلومات حساسة عن تكنولوجيا أشعة الليزر، والأسلحة الأميركية، وعلى معلومات سرية عن القوات البحرية والألغام والتسهيلات في موانئ البحر الأبيض المتوسط.‏

وبالاعتماد على هذه الوثائق قامت (إسرائيل) بعدة أعمال، منها: الهجوم الجوي في أكتوبر 1985 على منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وأسفر عن مقتل مئة من المدنيين التونسيين وتهديم مقر المنظمة.‏

ثم قامت (إسرائيل) بنقل بعض هذه الوثائق إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك، بطريقين، أحدهما مباشر: عبر (الحكومة الإسرائيلية) التي قدمت الأسرار في محاولة للتأثير في سياسة موسكو إزاء هجرة اليهود. والآخر غير مباشر: عبر الموساد إلى دائرة الاستخبارات الروسية (كي – جي – بي).‏

وقد وردت هذه الاكتشافات في تقرير إخباري أذاعته (يونايتد برس انترناسيونال) في 13 ديسمبر 1987 وأعلم فيه كاتبه وهو ريتشارد سيل أن الاتحاد السوفيتي اخترق الاستخبارات الإسرائيلية وأنه جرت مقايضة المعلومات مع الاتحاد السوفيتي مقابل وعود بزيادة هجرة اليهود السوفيت إلى (إسرائيل)‏

كان من بين هذه المعلومات “معلومات استراتيجية عن قوات الدفاع في تركيا وباكستان والدول العربية، بما فيها” المملكة العربية السعودية”، وظهرت أخبار تحويل الوثائق إلى موسكو في عناوين تسع صحف، لكن الأخبار وشبكات التلفزيون المتنافسة تجاهلتها، ولم تنشر صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” كلمة واحدة عنها [There ported diversion, interview, Richard T.sal, Nove mber 16, 1989].

وحوى كذلك، إضافة إلى ما سبق صور الأقمار الصناعية التي تكشف مكان منشأة ذرية سرية في باكستان، وقام مسؤولون إسرائيليون بالاتصال مع الهند في يونيو 1985 وعرضوا عليهم القيام بخطة، تقضي بقيام الهند وإسرائيل، بغارة جوية مشتركة يهدمان بها المنشأة، لكن الهند رفضت. إضافة إلى العديد من الأعمال قامت بها (إسرائيل) هددت فيها أمن الدول العربية ودول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية.‏


لقد قام (محلل الجاسوسية المضادة) البالغ من العمر 30 عاماً (جوناثان جي بولادر) بسرقة هذه المعلومات من الولايات المتحدة وإرسالها إلى “إسرائيل” عام 1984. وتمت صفقة التجسس عندما التقى (بولارد) بالطيار الصهيوني (أفيم سيلا) الذي كان يعمل بالجاسوسية ووعده بتسليمه أسراراً عسكرية مقابل تعويض شهري قدره 1500 دولار وبدأت العملية في جو من الترف كما يقول [Paul Findley] في [They dare to speak out] إذ سافر (بولارد) وزوجته (آن هندرسون) بالدرجة الأولى إلى باريس لقضاء عطلة ترفيهية. وهناك التقى (سيلا) وعميل الاستخبارات ورئيس وكالة الاستخبارات التكنولوجية (لاكام) (رفائيل ايتان) الذي قدم له مبلغ 10 آلاف دولار لتغطية المصروفات وتلقت زوجته خاتم ياقوت قيمته 7 آلاف دولار وجرى تعريف بولارد وزوجته بأحد موظفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن وهو (جوزيف ياغور) الذي أصبح فيما بعد الوسيط الرئيس في العملية.‏

وعندما عاد (بولارد) إلى واشنطن أخذ يسرق الوثائق من الملفات العسكرية بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع، ويسلمها إلى (ياغور) لتصويرها، أو إلى موظف آخر في السفارة الإسرائيلية وهو (إيريت إرب).‏

وفي الربيع التالي تمتع (بولارد) وزوجته برحلة ترفيهية أخرى كلفت عشرة آلاف دولار. وكانت هذه المرة إلى (إسرائيل) حيث تسلم بولارد جواز سفر إسرائيلي باسم جديد. ورفع تعويضه إلى 2500 دولار في الشهر، ووُعد بأن يتلقى التعويض طيلة السنوات التسع التالية، وقيل لـه بأنه جرى فتح حساب باسمه في سويسرا.‏

وبعد ذلك بستة أشهر، أي بعد سنة من بدء التجسس، انهارت العملية. إذ اعترض موظفو مكتب التحقيقات (بولارد) في منتزه قرب المكان الذي يعمل فيه في واشنطن، وذلك لاستجوابه، فتملص (بولارد) منهم لفترة من الزمن قام خلالها بالاتصال تلفونياً بزوجته، وأفضى لها بكلمة السر (كاكثوس) التي كان عليها بموجبها أن تخرج جميع الوثائق المسروقة من شقتهما، وعندما عاد لاستئناف الاستجواب كانت زوجته قد نقلت جميع الوثائق المسروقة في حقيبة إلى مسكن (إرب).‏

وطلب (بولارد) من (ياغور) أن يشير عليه بما يفعل، فأشار عليه بأن يخلد هو وامرأته في السكون فترة قبل أن يتحولا إلى الملجأ السياسي في السفارة الإسرائيلية وحاولا ذلك في 21 نوفمبر 1985 لكنهما فشلا في اختراق المراقبة عليهما، فلم يكادا يدخلان أبواب السفارة حتى رفضت منحهما اللجوء السياسي وألقي القبض عليهما عندما خرجا من السفارة. وفي تلك الأثناء غادر (ياغور) و(إرب) الولايات المتحدة إلى (إسرائيل).‏

وعندما علم موظف سابق في الموساد، بإلقاء القبض على بولارد قال: “لدينا قضية أخلاقية، إنك لا تستطيع الحصول من الولايات المتحدة على أموال تستخدمها، بعد ذلك، في شراء معلومات عنها” وقبل القبض على (بولارد) كانت الملاحقة القضائية للتجسس الإسرائيلي أمراً محرماً لدى مكتب التحقيقات الفدرالي، على الرغم من توافر الشواهد منذ زمن على الاشتباه بغيره من الموظفين الفدراليين. وكان مكتب التحقيقات الفدرالي، كما يقول (ريموند و. ونال) المساعد السابق لمدير المكتب ذاته: “على علم باثنتي عشرة حالة نقل فيها الموظفون الأميركيون معلومات سرية إلى الإسرائيليين”، لكن لم يجر أي تحقيق، وتركت الملفات وسط الغبار المتراكم.‏

[The FBI” Knew….. Washington post, June 3, 1986‏]

كتب الصحفي (وليم سافاير) الذي نادراً ما ينتقد (إسرائيل):‏

إن الحقيقة السافرة هي أنه إذا ثبتت تهمة التجسس في المحكمة فإن ذلك يعني أن الدولارات التي تدفع معونة لإسرائيل، تحولها إسرائيل إلى جيوب الخونة الأميركيين. ولابد لهذه القضية أن تتفاعل”‏

[In the wake of, New York Times, Februauy 11, 1985]

وفي أعقاب القبض على (بولارد) اعتذر الموظفون الإسرائيليون المحرجون عن التجسس، وقبل (جورج شولتز)، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، الاعتذار بارتياح، وسارعت وزارة الخارجية إلى توفير الغطاء. فأرسل (شولتز) فريقاً برئاسة القانوني (أبراهام سوفير)، وهو صهيوني لإجراء تحقيق قصير، وعندما عاد (سوفير) قدم تقريراً كاذباً يقول بأن (إسرائيل) أتاحت كل السبل للوصول إلى جميع الأشخاص الذين يعرفون الحقائق، وبعد شهر من إلقاء القبض على (بولارد) أعلنت الوزارة أن (إسرائيل) أعادت الوثائق المسروقة، وأن الولايات المتحدة استأنفت مشاركة (إسرائيل) في “جميع ميادين” الاستخبارات.‏

التصنيفات :بحوث استراتيجية

العنصرية في مناهج التربية الصهيونية

لا شك في أن هناك علاقة متبادلة بين الثقافة وتكوين الشخصية، وهذه العلاقة وثيقة، تتم من خلال تفاعل الأفراد بعضهم ببعض من جهة، وبين الأفراد والبيئة المحيطة من جهة ثانية، كما إن التعصب، كما تقول حقائق علم النفس، هو سلوك اجتماعي مكتسَب، وإنه عبارة عن سجايا يتعلمها الفرد، شأنها شأن الاتجاهات النفسية والعقائد المختلفة الأخرى، وإن معظمه يُكتسَب أو ينمو ويتكون خلال الفترة بين سن الطفولة وسن الرشد هذا إضافة إلى أن الأطفال لا يشعرون بالفروق العنصرية حتى تفرضها عليهم الحوادث أو الآباء أو الثقافة التي يعيشون فيها [Allport and Postman, The Psychology of Rumors, New York, Henry Holt and Company, 1948, p. 130.] وحين يشب الطفل وينمو بين أفراد مجتمعه يتعلم التعصب من والديه، إذا كانا متعصبين، أو من أصدقائه إذا كانوا كذلك، أو من الاتجاهات النفسية والثقافية السائدة في مجتمعه.‏

فالتعصب نتاج التفاعل والتعلم الاجتماعيين، وهو كغيره من الاتجاهات النفسية الأخرى، ينمو بصورة تدريجية ويكون خاضعاً للتعديل والتنوع إلى أن يلائم تلك المقاييس التي تواضع عليها ذلك المجتمع وتبناها.‏

من هنا نجد أن الخطاب الموجه للتلاميذ في الكيان الصهيوني والذي يصنع بطريقة مؤدلجة إنما يستهدف تحريف دلالة الأحداث واستخدامها كما يشاء الداعية الصهيوني، ويكون التلاميذ في هذه الحال، كتلة سلبية من البشر، يستطيع الداعية الصهيوني أن يحركها ويؤثر فيها عن طريق الدعاية السياسية والاجتماعية إضافة إلى الدعاية التحريضية. فتقوم الحكومة الإسرائيلية بوضع الأسس للمناهج المدرسية في الكيان الصهيوني وتروج ما ترغب به في إطارها الأيديولوجي.‏

ويشكل النص المخصص للتلاميذ في الكيان الصهيوني جرعة (بارانويا) مفرطة حول سيادة العرق اليهودي وتفوقه على جميع الخلائق، إضافة إلى صياغة المادة التعليمية بشكل بعيد، كل البعد عن المنطق السليم.‏

نستطيع قراءة الحقن العنصري الأيديولوجي في مبررات وجدت لهذه الغاية، كالتغني بالعنصر اليهودي، بطرحها مصطلح (ابن الله) الذي يمتاز عن جميع البشر بالعديد من الصفات التي لا يرقى إلى مثلها شعب آخر.‏

لقد كان لرقص الصهيونية على حبال (التفوق العرقي) أثر بارز في النفس اليهودية، لأنها اعتمدت، في رقصها، موسيقا الدين، ولا مجال من وجهة نظر صهيونية، للمقارنة بين ما هو يهودي وغير يهودي؛ يقول الحاخام مناحيم شينؤورسن: “الجسد اليهودي يختلف كلياً عن أجساد بقية الشعوب، وذلك من حيث المأكل والمشرب والطينة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجنين الذي يسمى إنساناً، لأنه يتكون من جسد وروح، والاختلاف بين جنين إسرائيل وأجنة بقية الشعوب كبير جداً، لأنه لا وجه للشبه بين جسدين من مرتبتين متناقضتين، ولأن روح الجنين هو النقيض والضد تماماً إزاء الجنين التابع لأي شعب آخر؛ وما يصح على الجسد (المادة) يصح كذلك على النفس والروح، إذ إن أصل أرواح الشعوب هو من طبقات النجاسة الثلاث، بينما أصل أرواح بني إسرائيل هو من الروح المقدسة ذاتها”.‏

تبرز تناقضات عديدة، لا مجال لحصرها، في التكوين الفكري للحركة الصهيونية، باعتمادها على قص ديني، اعتمد الميتافيزيقيا أسلوباً، وهذه تربة خصبة لكثير من المواضيع تبتكرها الصهيونية لتسوغ ممارساتها، مستندة إلى المنبع الأيديولوجي حصراً.‏

ويمكننا أن نقرأ عدوانية شديدة لدى اطلاعنا على نماذج من الكتب المدرسية في الكيان الصهيوني، فقد نصت المادة الثانية من قانون التعليم في الكيان الصهيوني على أن التعليم فيه يرتكز على قيم الثقافة اليهودية والولاء لإسرائيل والشعب اليهودي وتحقيق مبادئ الريادة في العمل الحلوتسي الصهيوني..‏

تقول (نيلي مندلر) في تعليقها على الاتجاهات الصهيونية اللاإنسانية في مخاطبة عقول الناشئة من اليهود: “عندما قمنا باستجلاء مضامين كتب مباحث العلوم الإنسانية، ومن بينها كتب المطالعة المقررة رسمياً للتلاميذ من الصف الأول حتى الصف الثامن، تبين لنا كم هي محشوة بعبارات التحقير والأوصاف غير الإنسانية المتوحشة، فالكتب والمراجع التي تقرها وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية لتكون بين أيدي المعلمين والمربين، هي أشد عنصرية وأكثر فظاعة مما يستخدمه الطلبة أنفسهم”.‏

وجدير بالذكر أن المناهج الصهيونية حاولت، إضافة إلى ما سبق تشويه صورة الإسلام والنيل من سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.‏

فقد جاء في كتاب (تاريخ شعب إسرائيل) تأليف (ب.إحيا) و(م.هرباز) الذي يدرس لطلاب الصف السابع: “اعتاد محمد الهجوم على قوافل التجار بغية سلبها وسرقتها، وتكللت العملية بالنجاح الأمر الذي أدى إلى حصول محمد على الأسلاب الكثيرة وانضمام عدد كبير من العرب تحت لوائه واتخذوا لهم الإسلام ديناً”.‏

ونقرأ في كتاب (شيعوري هيستوريا) إصدار مركز المناهج التعليمية ما يلي: “لقد قاد (محمد) حرب إبادة ضد جميع الشعوب والقبائل التي لم تتقبل تعاليمه، فأباد قسماً كبيراً من اليهود في الجزيرة العربية”.‏

وجاء في كتاب (هاموليدت شلي) للصف الخامس الابتدائي تأليف (ش.شكير): “إن المسلمين في الخليل منعوا كل من هو غير مسلم من الدخول إلى (معارات هامكفيلاه) [الحرم الإبراهيمي الشريف] فكان يعيش في الخليل طائفة يهودية صغيرة من دارسي التوراة لكن أحداث عام 1929م أدت إلى قتل عشرات اليهود بشكل إجرامي، من بينهم النساء والأطفال، وبعد هذه المجازر الدموية ترك اليهود الخليل ولم يعودوا إليها إلا بعد حرب الأيام الستة”.‏

ويصف (اليعيزر شموئيلي) العربي في كتابه (رجال في التكوين) بأنه طويل القامة عريض المنكبين يلمح في عينيه بريق الغضب، وجهه قاس، وجبينه ضيق وصغير، وشاربه مدبب يرتفع على شكل قرنين، عيناه صغيرتان تدوران في محجريهما وأنفه نسري معقوف”.‏

كما يصور (عوديد يتسهار) العربي بطريقة تدعو الأطفال اليهود إلى الخوف والرعب والكراهية في كتابه (ليس على جادة الصواب).‏

يقول (عكيفا آرنست سيمون) في دراسة تحليلية حول أدب الطفل الإسرائيلي: “الإسرائيليون يعدون الطلاب اليهود للحرب التي ستقوم غداً“، أما تلميذه (تسفي لام) فيقول: “الحرب تفرض نفسها على وعي الإنسان وتوجِّه معظم تصرفاته” وما يؤكد مذهبه هذا قول (يعقوب باسار) ما جاء في قصيدته الحرب المقبلة:‏

الحرب المقبلة.. ننشئها.. نربيها‏

ما بين حجرات النوم… وحجرات الأولاد‏

على حين يذهب (أدير كوهين) في كتابه [An Ugly Face in a Mirror] إلى أن تحليل كتب الأطفال في المناهج الدراسية وغيرها أظهر أنها تصور العدو باللاإنسانية والانحطاط والوحشية وتشكك في إمكانية إقامة علاقات سلام معه أو علاقات من الثقة المتبادلة.‏

بينما يتساءل الكاتب (ألوف هار إيفن) قائلاً: “عندما يعمد العدو إلى القضاء على جميع الإسرائيليين الذين ولدوا في إسرائيل أو هاجروا إليها، وإغلاق أبواب البلاد في وجه الهجرة اليهودية، فهل هناك مجال للتفاهم معه!؟”‏

ويعد الاستبيان الذي أجري لصفوف الرابع والخامس والسادس في مدارس الكيان الصهيوني أحد نتائج التربية العنصرية المتبعة في هذا الكيان والتي تبرز مرضاً مستعصياً لا مجال إلى علاجه، تضمن الاستبيان سؤالين:‏

1-كيف تشعر عندما تقرأ كلمة عربي؟‏

2-اكتب قصة قصيرة عن لقاء مع عري!‏

وجاءت النتائج على الشكل الآتي:‏

75% [العربي يختطف الأطفال، مجرم، مخرب]‏

20% [العربي مفيد لنا يعمل عندنا]‏

15% [العربي جارنا، مخلص، طيب القلب]‏

10% [إنه إنسان]‏

80% [يعيش في الصحراء، يرعى الأغنام، يرتدي كوفية، وجهه مخيف وقذر]‏

ومن بين القصص التي ذكرها التلاميذ:‏

كتب (S.R): العربي مقرف، راعي ماشية، مجرم، لص، شخص غريب ولغته غريبة، يبني البيوت.‏

كتب الطفل (J.A): العربي شعره أخضر، سيئ، لطيف قليلاً، وجهه غريب وصغير.‏

كتب الطفل (H): العربي أسمر البشرة، ليس من شعبنا، ينقل القمامة، يبني البيوت، ملابسه قذرة.‏

قال التلميذ (G.L): العرب يقتلون الأطفال.‏

كتب التلميذ (B): أعتقد أن العربي إنسان عادي ولا يجب أن نطرده من البلاد.‏

قال الطفل (A.T): عندي صديق اسمه محمود، ونحن نحب بعضنا بعضاً ونلعب معاً.‏

قال آخر: أنا كاهانا… يجب قتل العرب، نجلسهم على الكرسي الكهربائي ونقتلهم.‏

كتب (D.B): قمت بتغيير مكاني عندما جلس عربي بجانبي في الحافلة إلا أنه تبعني وجلس بجانبي ثانية، خفت منه، لقد حاول اختطافي، واستدعى السائق الشرطة وألقي العربي في السجن.‏

قال الطفل (J.A): جلس بجانبي ولد عربي أسمر، وأنا في طريقي إلى القدس في الحافلة، كانت ملابسه قذرة ممزقة، يحمل بيده سكيناً، خفت منه، وأخبرت السائق؛ وأتت الشرطة وزجت العربي في السجن مع عائلته لأنهم مخربون.‏

قال (R.S): ذهبت مع صديقي يهوآف ووالده في رحلة وعندما مررنا بقرية عربية قدموا لنا الماء.‏

كتب (K.R): العربي غدار، هذا ما تقوله أمي، إنها تقول لأبي إن العرب سيطعنونك بسكين في ظهرك.‏

كتبت (A.A): بعد يوم دراسة شاق، أعود إلى البيت فأجد مجموعة من العمال العرب يجلسون على قارعة الطريق يأكلون ويغنون بالعربية، أكره لغتهم، يصوبون نحوي نظرات حاقدة، يجب أن يذهبوا من إسرائيل… ماذا يفعلون هنا؟! فليكفوا عن غنائهم المزعج، إنهم قتلة مجرمون، أتابع السير وأصل إلى بيتي بثقة وكبرياء فأنا يهودية.‏

كتبت الطالبة (T.S): جاء إلى صفنا طالب عربي، جلس إلى جانبي في المقعد، اسمه محمد، كنت أجلس معه، بدا لي لطيفاً، كنت أتخيل أنني أجلس معه في خيمته التي تفوح منها رائحة الخبز العربي، كان عريف الصف (إيال) ونائبه (عوزي) يحرضان الصف ضدي وضد محمد، إنهما يخافان منه لأنه قوي البنية، يقولان يجب أن يذهب إلى صف عربي، لكننا لم نعرهما اهتماماً، وظل محمد يجلس بجانبي ولكن قبل نهاية العام ترك محمد الصف.‏

قال (A.K): يجب أن نطرد العرب من البلاد، يجب أن نطرد عائلة العربي الذي يقتل اليهود أولاً ثم نطرد أهل قريته؛ العرب يكرهوننا، يعتقدون أننا أخذنا أرضهم، قد يكون هذا صحيحاً، مع ذلك، يجب أن يذهبوا إلى مكان آخر… هناك دول عربية كثيرة، بينما لا توجد لنا إلا دولة واحدة.‏

ويشكل القص المخصص للتلاميذ في الكيان الصهيوني جرعة (بارانويا) مفرطة نحو (سيادة العرق اليهودي وتفوقه على جميع الخلائق) إضافة إلى صياغة المادة التعليمية بشكل بعيد كل البعد، عن مجريات الواقع فقد ذكر شموئيل يوسف عجنون في قصته (من عدو إلى محب) والتي جاءت تلخيصاً للصراع مع العرب من وجهة النظر الصهيونية القائمة على التحريف والتضليل والتزييف التاريخي يقول فيها أن العرب شعب قاس يريد الاحتفاظ بالأرض وإنهم يسيطرون على كل شيء:‏

“كان ملك الرياح، قبل أن تبنى “تلبيوت” في أورشليم، يحكم البلاد، وكان وزراؤه وعبيده يحتلون الجبل والوادي والغور والتلال، مخلوقات قوية وقاسية لا يتورعون عن فعل شيء، وكأن الأرض خلقت لهم وحدهم”.‏

ثم يصف كيف أن الريح قامت بضربه وجعلت منه أضحوكة عندما ذهب إلى “تلبيوت” بعد أن يصف المكان بأنه ساحر ورائع: “ذهبت، ذات مرة، إلى هناك، مكان رائع، الهواء عليل، والسماء صافية؛ أتنزه قليلاً، أبحث عن الهناءة والسلوى، وإذ بريح تعترضني قائلة:‏

ماذا تفعل هنا؟ قلت: أتنزه، قالت: “تتنزه! ثم ضربت رأسي بقوة، ونزعت قبعتي، انحنيت لها، فعبثت بملابسي، وقلبت ثوبي على رأسي، جعلت مني أضحوكة، وبعد أن سويت ثوبي أوقعتني أرضاً وهي تضحك، تضحك بشدة، رفعت رأسي وانتصبت… فصاحت بي: اذهب من هنا.. اذهب!… أدركت أن لا مجال للتحاور معها فذهبت”…‏

ويعرض (عجنون) إلى أن الأمر أصبح جدياً ولا بديل عن إقامة بيت، وهذه إشارة يحملها (عجنون) لتبرير حشد الطاقات في سبيل إقامة (دولة) يهودية تحقيقاً لتوجيهات الصهيونية والأخذ بالمبررات التي تدعم ذلك في مقولة أن “اليهود هم شعب بلا أرض”.‏

إذن فالحل الذي وجدته الصهيونية لتنفيذ مشروعها الاستيطاني القائم على القتل والعداء هو بناء (دولة) قوية تضرب جذورها عميقاً في الأرض بطرح أيديولوجي مضلل:‏

“أخذت بعض الألواح الخشبية والحجارة الكبيرة، وبعض الطين والاسمنت. واستأجرت العمال المهرة، وبدأ البيت في التشكل، كما أنني جعلت الأساس عميقاً عميقاً في الأرض”…‏

وهذا يلخص لنا الأعمال التي قامت بها الصهيونية في سبيل إقامة وطن قومي لليهود على الأرض العربية، ثم يذكر (عجنون) أن البناء قد تم ولن تستطيع الريح هدمه.‏

“جاءت الريح ذات ليلة وضربت الأشجار، لكن الأشجار ردت بدورها، عليها، ولم تقم للريح بعد ذلك قائمة، فرحلت. ومنذ ذلك الحين صارت الريح متواضعة وصارت تأتي بأدب واحترام، لذلك وبعدما وجدت هذا منها، تصرفت معها بالمثل، وكنت أخرج لاستقبالها، في كل مرة كانت تأتي فيها، وأطلب إليها أن تجلس معي على الكرسي، الذي صنعته، في الحديقة بين الأشجار. وكانت تجلس، وهكذا صارت تتردد عليَّ باستمرار، ورداً للجميل صارت تجلب معها ريحاً طيبة من الجبال والأغوار تنعشني أيام الحر، نسيت أعمالها السيئة وصرت أطلب إليها أن تزورني باستمرار. تماماً كما تفعل مع جار طيب، فقد أصبحنا (جيران) بحق”.‏

وهكذا وبنوع من التزييف والتلفيق التاريخي يقول (عجنون) بأن العرب كانوا هم المعتدين دائماً وما عمليات الإبادة والتهجير الممارسة ضدهم إلا رداً على عدائهم وهذا هو السبيل الوحيد لبلورة مفهوم السلام وفق الطرح الصهيوني؛ سيادة يهودية مطلقة وتبعية عربية مطلقة.‏

هذا إضافة إلى الطرح القائل بأن على اليهود قتل العرب في كل مكان وزمان، ولا يمكن أن تكون بين الشعب المقدس والشعب المنحط أية رابطة، لأن (الرب) يريد ذلك، وقد خلق العربي بهيئة إنسانية ليكون لائقاً لخدمة اليهودي. يقول الصهيوني (دان الماجور) في قصيدته (في نعليه) والتي يرددها أطفال اليهود في المدارس باستمرار:‏

“الفلسطيني الوحيد الذي أعرفه‏

الذي يخاطبني بلغتي‏

كل صباح، أو عدة مرات في اليوم‏

كما ينبغي لمثقف عربي جامعي‏

يعمل وليد في “سوبرماركت” عندنا‏

عتالاً‏

وأحياناً في قسم الخضار‏

وفي كل لحظة فراغ لديه‏

يغسل في شارعنا‏

سيارات‏

سلالم‏

ينظف البيوت‏

كل لحظة لديه هامة‏

لا أحبذ أن أقول:‏

“إنه صديقي”‏

يغسل سياراتي‏

يأتي بالحاجيات من “السوبر ماركت”‏

يغسل السلالم،‏

يأخذ دون كبرياء،‏

أكياس القمامة‏

والأحذية البالية..‏

أحذيتنا.. وأحذية أصدقائنا.‏

ويبتسم.‏

يتضح لنا مما تقدم أن عناصر الحقن العنصري الصهيوني إنما جاءت لبناء مجتمع قائم على شوفينية فاقعة بين اليهود في الكيان الصهيوني وتحاول تعميم الظاهرة العنصرية في كل المجتمعات التي عاش فيها يهود، حتى أن النازية نفسها استمدت منطلقاتها النظرية من الحركة الصهيونية التي باركتها وأقامت علاقات معها.. لقد اعتمدت النازية فكرياً على الحركة الصهيونية وهذه اعتمدت ممارسة على طريقة تعاطي النازية مع مفهوم (المواطنة) فالعرقية ونقاء الدم وتفوق الجنس، هذا الثالوث غير المقدس، شكل نقاطاً مفتاحية في عملية تطابق الحالتين.‏

لقد أكد (يوليوس شترايخر) أحد أقطاب النازية واليد اليمنى للفوهرر، هذا الأمر عندما أجاب على سؤال وجه إليه فيما إذا كان من بين الذين شاركوا في وضع القوانين في مؤتمر الحزب النازي أجاب: “لقد طالبت بالحؤول دون اختلاط الدم النازي باليهودي، وعلينا أن نتخذ السلوك اليهودي في هذا المجال نموذجاً، لقد استعنا بالقوانين اليهودية في صياغة قوانين نيرنبرغ، ذلك أنها استطاعت أن تستمر قروناً في حين انهارت جميع القوانين الأخرى.‏

إن الصهاينة يتماهون سلوكاً إجرامياً وتوظيفاً حاقداً‏

يتبدى جلياً في حيثية سوداء تقدم رموزاً عنصرية شوفوأيديولوجية في حراك هيدوني في ساحة “الموت للعرب”.‏

لقد نادى زعماء الصهيونية بإبادة العرب وحقنوا أطفالهم بهذا المفهوم استمراراً للعقيدة العنصرية التي لا يريدون لها أن تخبو لدى اليهود تحقيقاً للـ”نحن” العرق الأسمى وتحطيم جماجم “هم” الغوييم.‏

هذا.. ولا يقتصر هذا الأمر على اليمين في الكيان الصهيوني أو الليكود بل ينطبق أيضاً على العمل كذلك. فقد نشر (توم شغيف) كتاباً عام 1984 أورد فيه محاضر جلسات حزب العمل لفترة سابقة أورد فيه بعض أقوال زعماء هذا الحزب:‏

-يتسحاك بن تسفي، الذي شغل منصب رئيس ما يسمى (دولة إسرائيل) فيما بعد يقول: “يوجد في البلاد عرب أكثر من اللازم”.‏

-عضو الكنيست شلومو لافي:‏

“يقلقني عدد العرب الكبير في إسرائيل، فمن المحتمل أن نصبح أقلية في دولة إسرائيل. يجب أن نفكر جيداً بهذا الخطر الذي يتهددنا”.‏

-عضو الكنيست الياهو هـ. كرميلي:‏

“لا أنوي قبول أي عربي”.‏

-عضو الكنيست يحيئيل دوفدفني:‏

“من الأنسب لنا لو نصل إلى حل عن طريق طرد العرب الموجودين في إسرائيل”.‏

-عضو اللجنة المركزية للهستدروت زئيف أون:‏

“سيكون شكل البلاد أجمل بكثير، سأكون سعيداً جداً عندما أسافر من تل أبيب إلى حيفا ولا أرى أي عربي في الطريق”.‏

إضافة إلى ما تبقى من (مخليطانيم) في الكيان الصهيوني على شاكلة بن غوريون وغيره، فقد كان مئير كاهانا يزور المدارس والجامعات ويعلن عن ضرورة قتل العرب وفرض عقوبة السجن على اليهوديات اللائي يقمن علاقات جنسية مع العرب. إضافة إلى دعوته إلى مقاطعة التجار العرب، وحظر الشراء إلا من اليهود ووضع خطط عنف ضد العرب في الجامعات في إطار عمليات (البلماخ) والدعوة إلى إبعاد العرب عن الحرم القدسي الشريف معتمداً على ما جاء في سفر العدد “كل غريب يقترب.. يقتل”.‏

ورفائيل ايتان الذي يطالب “بإدخال العرب في زجاجة مغلقة كحشرات مخدرة”، ومئير كوهين أفيدوف الذي دعا إلى “اقتلاع عيون المتهمين العرب وبقر بطونهم، من الذين لا تثبت إدانتهم”.‏

واللائحة طويلة، هذا عدا عن صورة المجتمع اليهودي الذي ضج بالعنصرية معتمداً على ما جاء في الكتب الدينية اليهودية التي أريد لها أن تبقى شاهداً ومحفزاً للنفس اليهودية للبقاء في إطارها المعادي للأمم فقد جاء في سفر العدد “وإن لم تطردوا سكان البلاد من أمامكم يكن الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها”.‏

وفي القص الديني اليهودي يتجلى مفهوم تربوي غير طبيعي يقدم للأطفال إذ يجب أن يفتح الطفل اليهودي عينيه على قراءة (المقرا) وهو ابن خمس سنوات والمقرا هذا يحوي الكثير من القص الذي يدعو إلى بارانويا يهودية إن صحت العبارة ويسعى إلى تمثل عقائد عنصرية وشعوراً بالدونية التي تبيح من وجهة نظرهم ثأراً ضد أمم الأرض، وما أن يبلغ هذا الطفل سن العاشرة حتى يتم حقنه بما جاء في كتاب (المشنا) الذي يوظف سنن الأقدمين من اليهود وتعاطيهم مع الأغيار ليسير هؤلاء الأطفال على خطاهم وتمثُّل الفكرة العنصرية وطرق ممارستها عن طريق إدراج أحاديث عن ما يسمى بحاخامات إسرائيل. وبعد أن يُتِم الطفل اليهودي سن الثالثة عشرة يكون قد تشبع بالطروحات العنصرية، ويصبح قادراً على إدراك (المتسفوت) أو الوصايا التي تعرِض لكيفية تعاطي اليهودي مع اليهودي وكيف يجب أن تكون علاقة اليهودي مع (الغوي) إذ ما ينطبق على اليهودي لا ينطبق على غيره في مجال التعامل، ومن ثم يأتي التلمود ليتوج ما وصل إليه هذا الطفل من تعاليم في حيثية سوداء عندما يُتِم الخامسة عشر من عمره لتأتي الشروح في إطار تعاليم (وحدة البناء الفكري لليهود) في مجال (افعل ولا تفعل) داعياً إلى ما يسمى بالطقوس الدينية التي تندرج تحتها مواد الفطير واستعادة ما تسمى عندهم بالمعاناة التي تعرَّض لها أجدادهم، إضافة إلى تشكيلات الأعياد اليهودية كعيد البوريم والحانوكا وغيرهما، ومحاولة تقمص هذه الأعمال إحياءً لنزوع الحقد على الآخرين. وما إن يبلغ سن الثامنة عشرة يصبح مهيئاً للوقوف تحت المظلة والزواج لأنه، وقتئذ، يكون قد أتم دراسة المناهج المقدمة إليه، ويستطيع، بالتالي، نقل ما اكتسبه لأطفاله منذ ولادتهم وحتى سن الخامسة، إذ يتم الاستحواذ عليهم من قبل المؤسسات الدينية المختصة.‏

فهذا (يهودا عمي حاي) يذكِّر التلاميذ اليهود بأنه لا بد لكل يهودي من أن يذكر (المآسي) التي حلت به بل وكل ما جاءت به التوراة وذلك في قصيدته (اليهود):‏

الإنسان اليهودي يذكر‏

المظلة في بيت جده‏

والمظلة تذكر‏

السير في الصحراء‏

والصحراء تذكر‏

إيمان الشباب‏

وألواح العهد‏

وذهب عجل الذهب‏

والظمأ… والجوع‏

يذكران مصر.‏

وبنوع من التهويم والتلفيق التاريخي يصل (عمي حاي) إلى ضرورة‏

(استعادة) الأرض، لأن هؤلاء مرتبطون بها، وما الصهيونية إلا أداة لتحقيق كلمة (الله) العليا بعد أن تملي عليه ما تريده ويمتثل:‏

اليهود ليسوا‏

شعباً تاريخياً‏

كما أنهم… ليسوا‏

شعباً أثرياً‏

إنهم شعب جغرافي‏

مع فتات‏

ودمار‏

وطبقات‏

ونيران متأججة‏

وتاريخهم‏

يجب أن يقاس‏

بسلم قياس آخر‏

قبل حين‏

التقيت امرأة جميلة،‏

جدها‏

أجرى لي حفل ختان،‏

قبل حين من مولدها‏

قلت لها:‏

أنت لا تعرفينني‏

وأنا لا أعرفك‏

لكننا‏

الشعب اليهودي.‏

جدك الميت‏

وأنا المختون‏

وأنت الحفيدة الحسناء‏

ذهبية الشعر؛‏

نحن الشعب اليهودي‏

ومثلما يتعلق الأطفال في وقت مبكر بالخرافة وأجوائها، يتعلق بها أكثر عندما تكون المرأة هي الراوي الأساسي لها وعلى الأخص عندما تكون الأم، فقد كانت (فيرا شنيؤورف) (دفورا) والدة (أريك شاينرمان) (الذي أصبح اسمه، فيما بعد، أريئيل شارون، تقص على أسماع ابنها قصصاً عديدة حول ما أسمتها (المعاناة) التي تعرضت لها على أيدي العرب، وتقص عليه شيئاً لا يذكره لأنه كان ما يزال رضيعاً عند حدوثه: “سمعت نداء من خارج البراكية وبدأت بالعمل بسرعة: حملتُ أختك (ديتا) بإحدى يدي، وانتزعتك من السرير باليد الأخرى وركلت باب البراكية برجلي وخرجت إلى زريبة البقر وسط القرية في ليل بارد، وضعتكما على أحد تلال القش واضطجعت بجانبكما وسرعان ما امتلأت زرائب القرية بالنساء والأولاد من اليهود. إذ كانت قرية (ملال) تستعد للدفاع ضد هجوم البدو من أبناء قبيلة (أبو كشك) وأعوانهم من قريتي قلقيلية وطولكرم.‏

ولا أزال أذكر روائح البقر ومنظر الرعب الذي كان يبدو على وجوه الأطفال وهم يسمعون صيحات الهجوم وطلقات النار”.‏

هذا إضافة إلى قصة أخرى كانت ترددها على أسماعه باستمرار: “هذا ما حدث لي في أول يوم وصلت فيه إلى شواطئ (أرض إسرائيل)؛ جاء حمال عربي ضخم في القارب الذي خصص لإنزال ركاب السفينة إلى الشاطئ، ومد إليّ ذراعين قويتين ضخمتين، ولف خصري ليساعدني على النزول من السفينة فصرخت بذعر؛ لقد غرس العرب الذعر في نفسي من اليوم الأول الذي أتيت به إلى هنا”.‏

لقد امتزجت لدى أريك شايزمن (شارون) ذكريات والدته بشأن الحمال العربي في يافا مع سلوك والده العدواني، فقد كان أريك في السادسة من عمره عندما أعطاه والده عصاً وطلب إليه البحث عن الأولاد الذين قاموا بقطف ثمار من أشجار المزرعة، كان هذا في النصف الثاني من عام 1934 ومنذ ذلك الوقت، نادراً ما كان يظهر أريك دون عصا.‏

وكثيراً ما كان أريك يرى والده (شموئيل شاينرمان) وهو يكيل ضربات قوية للأولاد الذين يقتربون من المزرعة، وعندما كان يراه يلعب مع أبناء جيله كان يصيح به قائلاً: “ها… أريك.. انظر! نمتلك أكبر قطعة أرض بفضل استعدادي الدائم لاستخدام القوة في رسم حدودها”.‏

لقد شكلت ذكريات أمِّه مع سلوك والده العدواني مرضاً عضالاً ونزوعاً مستمراً لقتل العرب أينما وجدوا. لقد جسد أريك شاينرمان تعاليم الكتب الدينية التي قدمت إليه في إطارها العنصري، إضافة إلى دور أبويه. جسد تربية عنصرية رسمت شخصيته كمصاص للدماء، مذابحه تدل عليه.‏

وبعد هذا كله، ألا يحق لنا السؤال: أي سلام هذا الذي ينادي به بعض العرب مع العدو الصهيوني!؟ وأية أكذوبة تنطلي عليهم في أن الصهاينة ممكن معهم السلام وهم على ما هم عليه وعلى ما جبلوا عليه.‏

فالصهاينة، أيها الكرام، عندما يتحدثون عن السلام مع العرب، إنما يقصدون المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات، ودون التوصل إلى شيء. لأن (المخليطانيم) في الكيان الصهيوني أدركوا انهيار النفسية الصهيونية لدى المستوطنين جراء المقاومة. وبطرحهم مصطلح (السلام) أي المفاوضات، يكونون قد خرجوا من حالة الحرب، ويوجهون، بالتالي، ضربة للمقاومة بعد دخول العرب في متاهات (الحل السلمي)، فينقطع بذلك حبل الاتصال بينها وبين العرب في الخارج. ويسهل بالتالي، على السلطات الصهيونية إجهاضها..‏

لقد تناول الشاعر الصهيوني حاييم حافير الطروح الصهيونية الحقيقية للسلام وعكسها في منهج تبريري يقدمها للتلاميذ على شكل رسالة مفتوحة تحظر عليهم الخوض في مفهوم السلام مع العرب يقول فيها:‏

فلتكن حرباً.. بغيرها لا نفهم‏

لكن السلام.. بالسلام لسنا واثقين‏

التصريح أو البيان وحتى الإعلان‏

[كل هذا] لا يثبت لنا أن هذا ليس‏

مناورة مضللة.‏

وانظر أية خديعة يستطيع سلام‏

كهذا أن يغطي!!‏

انظر كيف بالمكائد يصنعون لنا سلاماً!‏

يجب استصراخ يهودية أمريكا‏

يجب أن نوضح للكونغرس‏

أن ليس للعرب من مكان‏

أفضل مما هم فيه عندنا‏

تحت الاحتلال‏

(وسترى كم نحسن لهم صنعاً‏

عندما لا نعمل على طردهم)‏

أية ضربة؟‏

نحن الشعب المختار‏

شعب الذهب، شعب الألماس‏

وفجأة يدخلون به هذا الـ.. سلام!‏

عندئذ يا سادة‏

لا سخرية من العدو‏

الوضع وضع طوارئ‏

لملء الأكياس رملاً‏

وتوزيع أقنعة الغاز‏

إننا ثانية في حصار‏

كلهم يتكلمون عن السلام‏

أنقذونا.. أنقذونا‏…


التصنيفات :بحوث استراتيجية

تشارلز ديكنز والصهيونية



لقد استطاعت الصهيونية العالمية التغلغل في الأوساط الأدبية الغربية بشكل مؤدلج وحاولت تغيير صورة اليهودي من صورة قاتمة في مخيلة الغرب إلى صورة مشعة عن طريق الزيف والخداع والعزف على أوتار الاضطهاد، إذ ازداد تغلغل اليهود في الأوساط الغربية بعدما لفقت الصهيونية للألمان

تهمة (الهولوكوست)، وأن ألمانيا قامت باضطهادهم وذلك ليتسنى لها كسب ود الناس وابتزاز عواطفهم نحو اليهود، والسعي لدس السم الصهيوني في مسوغات وجدت لهذه الغاية لتغيير صورة اليهودي في الفكر الغربي وابتزازه، وإبراز اليهودي مضطهَداً مسحوقاً يجب التعامل معه بكرم زائد وعاطفة كبيرة، تعويضاً له عما حدث له من (عذاب وشقاء) لعبت أمم الأرض دوراً فيه، حسب المزاعم الصهيونية، وهو ما انطلى على الفكر الغربي جزئياً؛ والسبب هو العداء الذي كانت تتبادله هذه الدول مع ألمانيا النازية، إضافة إلى إقامة مؤسسات راعية مترافقة مع أدب منخرط ورأسمال يهودي داعم؛ ومحاولة الكيد للأدباء والمفكرين الذين لم تنطل عليهم هذه الأكذوبة، عن طريق المال والنساء والحصار النفسي المؤدلج؛ وهذا ما حصل مع (تشارلز ديكنز) لدى تأليفه روايته الشهيرة (أوليفر تويست) حيث حاولت السيدة اليهودية (أليزا دافيد) إغراءه بشتى الوسائل؛ وهي امرأة جميلة  جداً جندتها الصهيونية للنيل من (ديكنز). وبدأت عملية الإغراء، عندما بدأت تناقشه في طبيعة الأدب العالمي وما إلى ذلك، لتأتي، بعد ذلك، الدعوات والحفلات والزيارات والانغماس في أهواء النفس، فسلبت منه أمواله، بطريقة أو بأخرى، وعرض (ديكنز) منزله للبيع؛ وبالفعل تم البيع واشترى منزلاً متواضعاً في الريف، ليكتشف بعد ذلك أن هذه السيدة يهودية، وأن من اشترى البيت هو زوجها؛ من ثم بدأت تجابهه، وتضغط عليه باستمرار بعد أن استخدمت أساليب عديدة في إقناعه لتغيير صورة اليهودي في روايته (أوليفر تويست)، فرد عليها قائلاً: “إن (فاجين) في رواية (أوليفر تويست) يهودي لأنه حقيقي، لسوء الحظ، في زمن القصة، إن تلك الطبقة من المجرمين كانت تقتصر على اليهود، ولكن، بكل تأكيد، لا يوجد رجل عاقل أو امرأة عاقلة من دينكم يمكن أن يغيب عن أي منهما أن بقية شخصيات الرواية تنتمي إلى الدين المسيحي، فضلاً عن أنه (أي فاجين) يسمى باليهودي، ليس بسبب انتمائه إلى الدين اليهودي بل بسبب العنصر الذي ينحدر منه” وتقول الناقدة (جوليت شتين): ” إن السيدة اليهودية (أليزا دافيد) التي احتجت على تصوير (ديكنز) لشخصية (فاجين) اليهودي على هذا النحو، اقترحت على مؤلفنا أن يكفر عن (ذنبه) بالتبرع لإقامة دار استشفاء للمرضى اليهود. وعلى الرغم من أن (ديكنز) استجاب لطلبها، فقد اكتفى بالتبرع بمبلغ رمزي مؤكداً أن تبرعه لا يعني أنه يريد التكفير عن زرايته باليهود، ومدافعاً عن نفسه بأن أحداث روايته (أوليفر تويست) في وقت كان أمثال (فاجين) من الأشقياء والخارجين عن القانون ينتمون في العادة إلى أصول يهودية” وهكذا… وبعد قرن على وفاة تشارلز ديكنز ظهر في عام 1918 كتيب صغير بعنوان Charles Dickens and his Jewish characters  بتمويل صهيوني أدرجته الصهيونية العالمية للتمويه على الممارسات التي قامت بها السيدة (دافيد) ضده، يقول بأن ديكنز قرر أن يترك منزله في لندن ليسكن في (جادزهيل) فاشترته (دافيد) ولم تكن على معرفة به قبل ذلك، لكنها استغلت العلاقات الودية التي نشأت بينها وبين (ديكنز) نتيجة المعاملات المالية، فكتبت إليه خطاباً (مهذباً)!! للغاية احتجت فيه على تصوير اليهودي فاجين في الرواية (أوليفر تويست) على هذا النحو القبيح. ويعرض هذا الكتيب إلى أن ديكنز عندما أراد بيع منزله في لندن تقدم رجل أعمال يهودي هو زوج (أليزا دافيد) لشرائه، وكان ديكنز يتوقع من اليهودي ممارسة التسويف والمراوغة في دفع ما يترتب عليه من ثمن، إلا إن اليهودي كان صادقاً، كما يزعم هذا الكتيب، قي معاملاته المالية لذلك أقدم ديكنز على تصوير اليهودي في روايته (صديقنا المشترك) على أنها شخصية تتسم بالأمانة والإنسانية والإخلاص والرغبة في عمل الخير بعدما اقتنع بأن اليهودي ليس كما كان يتوقع، بل إنسان نبيل؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! هذا إضافة إلى العديد من الممارسات اللا أخلاقية التي مارستها الصهيونية ضد الفكر الحر في العالم بأسره.

التصنيفات :بحوث استراتيجية

الاغتراب في الأدب الصهيوني


 

الاغتراب، عندي، هو حالة تمثل عدم القدرة على التأقلم مع المحيط. بهذا المعنى يكون الاغتراب في الأدب هو التعبير عن هذه الحالة تماماً، أما فيما يتعلق بالأدب العبري فنجد أن حالات الاغتراب عديدة، ولعل مفهوم الاغتراب في الأدب العبري هو علامة فارقة في هذا الأدب إذ إننا نلمسه في عدم القدرة على التأقلم مع الأرض، بداية لأنه يشكل جسماً غريباً عنها مهما لبس من أقنعة، يريد من ورائها الظهور على أنه منتم إليها. يقول الشاعر العبري يهونتان غيفن في قصيدته “أرض تأكل”:‏

“أرض تأكل مواطنيها بكل فم‏\

رأينا أرضاً كبيرة‏\

دخاناً أسود يرتفع‏\

إلى السماء”‏

(من مجموعته ماكوم لدأغاه ص13).‏

كما أن اختلاف المشارب التي نهل منها الأدباء العبريون والتي تعود إلى ثقافات مختلفة تنتج، برأيي، أدباً غير متجانس في الكلية، وهذه مشكلة وقف عندها الأدب العبري طويلاً ووجد الحل في أن يكون تابعاً للسياسة التي تجمعه، على اختلاف مشاربه، على أهداف معينة.‏

اعتمد الأدب العبري منذ القديم على القص التوراتي لتفعيله أيديولوجياً، وبعبارة أخرى: عزف الأدب العبري منذ القديم على موسيقا الدين، وهذه حالة تستدعي، حالة اغترابية كذلك، إذ إن الاعتقاد بأن اليهود هم أبناء الله وأحباؤه، وإن الله قد خلق (الأغيار بهذه الصورة البشرية كي يكونوا لائقين لخدمتهم)، لعب دوراً مهماً في عزل اليهود أنفسهم في غيتوات نمت فيها نزعة حاقدة على من هو غير يهودي، تبيح قتله وخداعه والكيد له بحجة الامتثال للطروحات الموجودة في موروثهم العقيدي، الأمر الذي دفع المجتمعات إلى نبذ اليهود، وهذه حالة اغترابية عبر عنها الأدب العبري في غير نتاج.‏

وثمة حالة اغترابية أخرى نجدها في التهكم على الله ولومه لأنه لا ينبري لنصرتهم ويخلصهم من الأغيار.‏

يقول موشيه بن شاؤول في قصيدته “نظام الغفران” المنشورة في جريدة معاريف في 23/12/1988 مخاطباً الله:‏

أنا في المنفى.. أسافر‏\

لا تغفر لي ولن أغفر لك\‏

قيمة القائد إن تخرق تسقط‏\

والقائد مريض‏ \

يغرس عينيه في كتاب قديم\‏

ماذا أغفر‏.

أما يهودا عمي حاي فيقول في قصيدة له عنوانها: “اليهود” والتي نشرت في جريدة يديعوت أحرونوت بتاريخ 12/5/1989:‏

وماذا بشأن الله؟‏\

وفق سنّة الطرد‏ \

من جنة عدن‏\

وبيت المقدس\‏

الله‏\

يرى أبناءه فقط‏\

مرة واحدة في السنة\‏

في يوم الغفران‏ \

…..‏

…..‏

اليهود‏\

ليسوا شعباً تاريخياً‏\

كما إنهم ليسوا شعباً أثرياً‏\

إنهم شعب جغرافي‏\

…‏

…‏

وتاريخهم يجب أن يقاس‏\

بسلم قياس آخر‏\

….‏ \

أنشدنا مرة‏ \

ليس كمثل الله\‏

والآن ننشد‏\

ليس لنا إله‏ \

لكننا نغني\‏

مازلنا نغني‏\

عمد الأدب الصهيوني، قبل قيام الكيان الصهيوني، وبعده إلى دعوة اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وترك موطنهم الأصلي، وتفتقت قريحة أدبائه بالكثير الكثير من النتاجات التي تصب في هذا الهدف، ولعل خير دليل على ذلك، قصيدة يوحنان غيشكلاي التي أسماها البشر “بالمسيح”، وأهداها إلى هرتسل يقول فيها:‏

أنا المبشر بالمسيح\

المسيح الذي لن تنتظروه بعد الآن‏\

إنه هنا، هاهو ينتظركم‏\

ومنذ الأزل، ينتظركم وحدكم‏\

المسيح هو أرض الأجداد‏\

…..‏ \

المسيح يدعوكم لحضنه لتغفو في حلم الآمال‏\

المسيح يجمع شتاتكم‏\

طوبى لك أيتها التوراة‏\

لأن شمس علتْ‏\

بدم هرتسل قمت للحياة‏\

وكذلك حاييم نحمان بياليك في “آخر موتى الصحراء” يقول:‏

قوموا تائهي الصحراء‏\

اخرجوا من القفراء‏\

كفاكم تحركاً، تشرداً، في الأرض القاحلة‏\

كي لا تغيظوا بخطواتكم الصحراء‏\

ونائميها‏\

كل شخص يسمع، بقلبه، صوت خطاه‏\

شخص بقلبه يسمع صوتاً يقول:‏\

“اذهب إلى أرض جديدة أنت اليوم ذاهب”.‏ \

أما أوري تسفي غرينبرغ فيقول في قصيدته “في تلك الليلة”.‏

هنا السهل،‏\

هنا مقر كارهي دافيد‏\

هنا التفكير بالفكرة؛‏ \

تقسيم الجسد إلى أشلاء‏ \

هنا التفكير بالفكرة:‏\

مدينة دافيد لأبناء الهلال والصليب‏\

لا جزء لنا فيها، كل صلاة وكل مال هباء.‏\

إن الدعوة إلى الهجرة إلى الأرض العربية بداعي أن هذه الأرض ليس لها أصحاب، كانت ديدن الحركة الصهيونية “إن هذه الأرض تفيض لبناً وعسلاً وما عليك، أيها اليهودي، إلا أن تهاجر إليها تطبيقاً شعائر الرب”.‏

ثم يكتشف هذا اليهودي أن هذه الأرض فيها أهلها، من ناحية، ويصدم لما جاء في التوراة من أن هذه الأرض هي اليهود، فيقوم بتصفية أصحاب الأرض الحقيقيين وتهجيرهم.‏

وهنا نوعان من الاغتراب:‏

الاغتراب أمام حالة أن الأرض لم تطرح مناً وسلوى، والاغتراب أمام حقيقة أن ثمة من يدافع عن هذه الأرض لأنها له ليأتي بعض الأدباء ومن بينهم حاييم حافير يحاولون طمس الحضارة العربية بأفواههم، فكانوا كمن يخفي الشمس بالغربال في قصيدته “نظريتهم وبراعتهم”‏

أعوام عديدة مرت على “نظريتهم وبراعتهم”.‏\

ما الذي لم يجر خلال تلك الأعوام‏ \

فلكيون تنزهوا على سطح القمر\‏

جيولوجيون أخرجوا الماء من الصخور\‏

مختصون بأمراض القلب زرعوا أوردة وأفئدة‏\

مهندسو وراثة صنعوا خلايا جديدة‏ \

وهناك، عندهم‏\

صمت الموت‏ \

صحراء خلقية‏\

ببساطة .. مستنقع‏\

ككل نظرية وصلت إلى النهاية‏\.

التصنيفات :بحوث استراتيجية

الوحدة 101


كانت نساء من قرية قطنة العربية يذهبن لجلب الماء من إحدى الآبار خارج القرية.‏
وصلت هذه المعلومات إلى (أريك شاينرمن) الذي كان يقود كتيبة احتياط في لواء القدس الذي كان يرأسه الصهيوني (مشآل شاحم)؛ شعر أريك بسعادة غامرة لأن قيادة اللواء أسندت إليه عملية (التصدي) لهؤلاء النسوة، بحجة أن عملهن هذا يشكل “مساساً بالسيادة الإسرائيلية”.‏
ادعى أريك أن الحدود بين مستوطنة (معليه خميشاه) وقرية قطنة العربية، غير مؤشرة بشكل واضح وأن سكان القرية يستغلون ذلك ويدخلون (المنطقة الإسرائيلية).‏
قام أريك بنصب كمين ليطلق النار على النساء العربيات وهن في طريقهن إلى البئر لجلب الماء. بينما تكون وحدة مدافع الهاون في حالة تأهب، لمواجهة احتمال إطلاق نار من الجانب الأردني عند إطلاق الكمين النار على النساء، وقام الكمين بقتل امرأتين من سكان القرية وهن في الطريق لجلب الماء.‏
في حزيران عام 1953 حصل (شاحم) على موافقة للقيام بعملية ضد قرية النبي صموئيل العربية التي يقيم فيها مصطفى الصموئيلي الذي كان يسبب إرباكاً لمجموعات التخريب الصهيونية.‏
حاول شاحم ربط قيادة لواء (جفعاتي) وقيادة كتيبة المظليين في تنفيذ العملية لكن القيادتين رفضتا ذلك فقرر التوجه إلى أريك.‏
قرر شاحم تشكيل وحدة خاصة للعمل وراء خطوط الهدنة تعمل على تسخينها باستمرار بعمليات استفزازية وطرح الفكرة أمام أريك الذي أعلن استعداده لقيادة الوحدة الخاصة.‏
قام أريك بجمع سبعة أشخاص من المخربين لتنفيذ عملية هدفها ضرب منزل مصطفى الصموئيلي. وحث شاحم أريك على تنفيذ العملية ليلاً وأقنعه بأن نجاح العملية ربما شقّ الطريق لتطبيق فكرة إقامة (وحدة انتقام خاصة).‏
فشلت المجموعة في مهمتها، وفي طريق انسحابها نسفت بيتاً صغيراً، وعاد أريك وجماعته إلى معسكر شنلر سعت 7 صباحاً.‏
طلب (نحميا آرغوب) السكرتير العسكري لرئيس الحكومة – وقتذاك دافيد بن غوريون – تقريراً من (مشآل شاحم) عن سير العملية ونتائجها ووصف شاحم العملية أمام آرغوب بأنها ناجحة تماماً، وسأله آرغوب:‏
-ما الذي يجب عمله في المستقبل حسب رأيك في هذا المجال؟‏
-إقامة وحدة كوماندو ثابتة.‏
-اكتب اقتراحك هذا خطياً وارفعه إلى رئيس الحكومة مع نسخة واحدة إلى رئيس الأركان.‏
في الليل، قام شاحم بإعداد اقتراحه وأرسله إلى دافيد بن غوريون ورئيس الأركان (مردخاي مكليف) وجاءت الموافقة.‏
منح أريك حرية كاملة في اختيار أفراد وحدته وكان الانضمام إلى الوحدة الجديدة يتم بناء على المعرفة الشخصية.‏
تجمع في معسكر صغير في (أبو غوش) بالقرب من القدس حوالي خمسين مقاتلاً صهيونياً، شكلوا وحدة مقاتلة، واختار لها أريك اسماً يحتوي على شيء من السرية هو: وحدة(101).‏
قامت الوحدة (101) بأعمال تخريب ضد أهداف عربية متنوعة.‏
بدأت في عام 1953 أولى مهامها وكانت شن هجوم على عرب العزازمة وأعملت القتل دون تمييز، وأخرى ضد مخيم البريج للاجئين في غزة؛ وعندما اعترض أحد أفراد الوحدة ويدعى (شموئيل فلاح) قائلاً: يجب أن نوجه قوتنا ضد أهداف عسكرية أجابه أريك: “يجب قتل الأطفال والنساء فهن زانيات يحرضن العرب ضدنا”.‏
ثم بدأ الإعداد لتدمير قرية (قبيا) بتدبير من شعبة العمليات. خرج (103) مقاتلين صهاينة في هذه العملية: سرية مظليين وحوالي 20 من الوحدة (101) مع ستمئة كيلوغرام من المتفجرات لنسف المباني وأبيدت القرية بسكانها بشكل كامل تقريباً.‏
ويذكر أن أريك كان يضحك عندما يرى أحد جنوده يعذب عربياً مسناً ويطلق النار عليه عن كثب.‏
قامت الوحدة (101) بقيادة أريك شاينرمن بجملة عمليات استهدفت السكان المدنيين وارتكبت مجازر فظيعة بحقهم.‏
كان التأييد لأريك يأتيه من موشيه ديان ودافيد بن غوريون وضمنا له مستقبلاً في الجيش الإسرائيلي؛ كان ديان سعيداً جداً بسبب قيام أريك بعملياته: “إنه قائد ذو روح قتالية، وأشعر بقرب منه؛ إنه جريء مثلي، إنه نتاج ناجح للوطن اليهودي”.‏
اختار بن غوريون لأريك شاينرمن اسماً عبرياً هو أريئيل شارون، وبمبادرة من ديان ودعم من بن غوريون انتقل شارون إلى المرحلة الثانية من حياته الإجرامية… قائد لواء المظليين.‏
والآن انظروا أين هو؟!! وما هول العذاب الذي أنزله الله به، وما حجم الإهانة التي يعانيها؟!! يرقد وقد تحول إلى هيكل عظمي، ولا شيء يتحرك به سوى قلبه الذي أراده الله شاهداً عليه في الدنيا، وليكون عبرة لمن يعتبر، وله في الآخرة عذاب أليم بإذن الله.
التصنيفات :بحوث استراتيجية

الفكر اليهودي.. تاريخ سياسي


 


لابد لنا قبل الولوج في دراستنا هذه حول الفكر اليهودي أن نستعرض جملة من المقدمات شكلت البنية الفكروية للقبلي اليهودي منها:

التناخ- توراة- نفيئيم- كتوفيم- تلمود- سنهدرين- جمارا- مشناه ومنه ناشيم المتفرع إلى يباموت، كتوفوت- نداريم- نازير- شوطاه- غيتين وكدوشين.

لقد عمل إدوين. م. رايت في قراءته السياسية للفكر اليهودي المنشورة بعنوان “التضليل الصهيوني البشع” والتي ترجمها إبراهيم الراهب على استكناه أغلب المعطيات الفكروية اليهودية في لبوسها السياسي.

فقد استطاع علم المعرفة والدراسات الحديثة أن تحلل هذه المراجع وتنتقد الخرافات والأساطير التي وجدت فيها، مما شكل خطراً على استمرارية اليهودية، الأمر الذي دفع بالحاخاميم إلى محاولات لتخليد الثقافة اليهودية وترسيخها بأن يتم تدريسها لكل جيل من أجل الحفاظ على المجتمع اليهودي منفصلاً عن المجتمعات الأخرى.

لقد تعرض الفكر اليهودي لحقبتين هددتا استمرار طقوسه:

أولاهما: كانت المرحلة الهلينية تحت حكم السلوقيين والحكام الإغريق، لقد وجد كثير من اليهود في الأقطار اليونانية والإغريقية الأكثر انفتاحاً وعالمية، فرصة للهروب من الأفكار والعادات اليهودية الاستبدادية والصارمة، لهذا تبنوا اللغة والأسماء والملابس اليونانية واندمجوا في المجتمع اليوناني الروماني، وجاء رد الفعل اليهودي على ذلك في ثلاثة أشكال:

-فريسييم: أكدوا بدرجة عالية على طاعة اليهودية وانفصالهم عن مجتمعات العالم.

-تساديكيم: شكلوا نوعاً من نخبة يهودية تشاركت وتزاملت مع حكامها اليونانيين- الرومانيين لكنها ظلت محافظة على ما توارثته من معتقدات دينية.

-حريديم: طوروا التزمت اليهودي.

في هذا الوقت بالذات ظهر سفران من التوراة: سفر دانيئيل الذي كتب بين 165-163 ق. م، خلال حكم أنطوخيوس الرابع الذي حاول إخماد الطقوس اليهودية، وكان لهذا السفر مغزىً أخذ مكانه في العودة إلى الحقبة الفارسية لكنه في الحقيقة يعود إلى الأيام الأخيرة للسيطرة السلوقية، تقوم فكرته على أساس “التمسك باليهودية.. وأن الله سيرسل مسيحه، مرة ثانية، ليعيد الأمة اليهودية إلى قوتها وهويتها”.

وبالتالي يكون دانيئيل رمزاً لليهود، الذي قاوم الاندماج في التجربة اليونانية؛ مما حدا بالحريديم أن يتخذوا هذا السفر مثلاً لهم نحو حل عسكري واحتقار الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي أنتج رد فعل روماني بقيادة “فاسبتيان” بين عامي 64-70م إلى عصر باركوخفا.

وثانية كانت عام 130 ق. م عندما ظهر سفر آخر أصبح تعبيراً عن وجهة نظر مجموعة من ال”تساديكيم” خدم كنموذج أم لطراز آخر من اليهودية، وهذا النموذج نراه جلياً في أيامنا هذه.

لقد أشار سفر (إستر) إلى مفهوم قوموي، يعود فيه الحوار وسياق روايته إلى القرن الخامس قبل الميلاد حيث الملك “أحشفيروش” ملك بلاد فارس من السلالة الأرخيمينية.

شخصيات هذا السفر تشكل منهج عمل فكروي يهودياً، وهي بإسقاطاتها تشكل حبل السرة في تعاطي اليهود مع الأغيار (الغوييم):

-هامان: يمثل القوى التي تكره اليهود

-استرومردخاي: يمثلان المجتمع اليهودي

-أحشفيروش: يمثل القوة الأجنبية التي يمكن أن يستخدمها اليهود لتحقيق أهدافهم النهائية.

استطاعت إستر أن تسقي أحشفيروش الخمر وتسكره، وهي حالة يكون، من خلالها، قد نسي مسؤولياته تجاه شعبه، ثم تحصل إستر على خاتمه لتصدر مرسوماً تحكم فيه على هامان بالموت وليصبح اليهود ظافرين بذبح عشرات الآلاف من الفرس (إستر 9: 5: 17).

إن فن المناورة السياسية بأية وسيلة هي قضية مبررة يهودياً، فقد وضع سفر إستر النموذج أمام ثيودور هرتسل، الذي كان هدفه إبراز مفهوم الدولة لليهود، لذلك أعطى نفسه مظهراً علمانياً على حين كان حريدياً صرفاً، لذلك قرر استخدام فكرة الدولة فقط ليناور بعض القوى العالمية من أجل إقامتها غير مبال فيما إذا كانت هذه الدولة مفيدة لتلك القوى أم لا، فقد كان عليه أن يجعل فكرة الدولة مغرية حتى يستطيع، من خلال ذلك الحصول على الدعم من تلك القوى بعد جعلهم ثملين بفكرة السيطرة على الشرق العربي.

ثم أصبحت هذه الفكرة مسكرة نهاية القرن التاسع عشر، حين اشتدت المنافسة بين القوى الأوربية في تلك اللحظة من التاريخ.

فقد كانت روسيا منذ عام 1685م قد دخلت 14 حرباً ضد الإمبراطورية العثمانية من أجل السيطرة على الشرق العربي الاستراتيجي مدعية أنها ورثت دور الإمبراطورية البيزنطية في القرون الوسطى.

وكانت إيطاليا متلهفة من أجل إعادة الإمبراطورية الرومانية القديمة وكانت تعمل من أجل غزو أثيوبيا.

بريطانيا العظمى كانت تسعى لتأمين سلامة طرق مواصلاتها إلى الهند وكانت، حديثاً، قد حصلت على قبرص كقاعدة للعمليات.

إن سفر إستر يضع الأدوار:

إستر: هي رمز القبيلة اليهودية وتحتاج إلى مردخاي (هرتسل) ليكمل دورها.

القوى الإمبريالية: رمزها أحشفيروش؛ وهامان يرمز للعرب. وهكذا تستطيع إستر الزواج من قوى إمبريالية وتجعلها ثملة بنبيذ السيطرة على الشرق العربي، إذ إن اتحاد الصهيونية مع أمة أجنبية قوية هي قضية مبررة.

إن مفهوم دولة يهودية تحكم منفذ هذه الطريق إلى الهند كان هدفاً مراوغاً والذي آمن هرتسل أنه يستطيع بيعه للأوربيين، وإذا ما استطاع إقناعهم بإقامة دولة يهودية في المنطقة-مرجحاً فلسطين- فإنه كان متأكداً من أن اليهود سيستجيبوا للهجرة إليها ولا حاجة لوضع أي اعتبار للعرب، الذين يجب أن يطردوا.

ويرسم هرتسل في مذكراته وكتابه (الدولة اليهودية) صورة دولة يهودية كبيرة ترث كل مناطق ممالك داود وسليمان، تسيطر على الشرق العربي، وكسمسار زواج كان عليه أن يزوج فكرة الدولة اليهودية إلى مسؤول أجنبي قوي، متجاهلاً ما يمكن أن يحدث لمثل هذه الدولة الإمبريالية بعد تأسيس الدولة، وعلى هذه الصخرة كانت قد بنيت كافة مخططاته، وهكذا فإنه وعد واحداً من أشد الناس عداوة لليهود وهو رئيس وزراء روسيا “فوت بليغا” سنة 1903 بأن الدولة اليهودية ستحل مسألتين لروسيا، فهي ستخدم روسيا كنقطة أمامية للإمبراطورية الروسية، وستأخذ كل اليهود إلى خارجها، ولقد فشل الخداع، لقد كان مخططو السياسة الروسية الاقتصادية والبشرية واقعين في شكهم من مثل هذه الخطة، وجهود بيع الدولة اليهودية إلى القيصر (ولهلم) فشلت لأن (ولهلم) الثاني كان يأمل بأن يقيم حلفاً مع الإمبراطورية العثمانية، وهذه لا تريد دولة يهودية في منطقتها. وكانت إيطاليا ترى أن هرتسل كان يبيع فكرة لا يستطيع تسليمها… وهكذا فشلت المحاولات.

كانت المملكة المتحدة البريطانية أكثر رغبة في إيجاد مستعمرة يهودية في كينيا- أوغندا لدعم غزوها الحديث إلى إفريقيا.

وفي عام 1904 مات هرتسل ولم يستطع سمسار الزواج هذا أن يزوج فكرة دولته اليهودية المخادعة إلى القوى الإمبريالية في زمنه، ومع موته وفشله كسمسار زواج لم تمت فكرته وانتظرت الصهيونية عشر سنوات لإيجاد ظروف أفضل وسمسرة أنجح، إلى أن أتى عام 1914- أثناء الحرب العالمية الأولى؛ وكان السمسار حاييم فايتسمان، والوقت كان الحرب بين بريطانيا من جهة وألمانيا والإمبراطورية العثمانية من جهة أخرى.

لم يكن فايتسمان قادراً على بيع فكرة الدولة اليهودية إلى المملكة المتحدة، فالزواج بين الاثنتين يضع المصاعب أمام المملكة المتحدة، ولكن وضع فايتسمان محظية يهودية فيه كان مغرياً، ذلك أن دولة يهودية تعني ربط معاهدات والتزامات، ومن هنا بدت فكرة الوطن القومي مغرية لأنها يمكن أن تصبح لعبة بريطانيا لتحقيق خططها في الشرق العربي والتي من الممكن إلغاؤها إذا ما برهنت أنها وقعت في عجز مالي وأنها تستدعي طلبات مكلفة وغالية.

كانت المعضلة التي تواجه بريطانيا هي أنها تلعب مع محظيتين هما: الوطن القومي اليهودي، والدولة العربية أو الدول العربية، آملة أن تحصل على مكاسب من الطرفين دون أن تصبح ملتزمة لأي منهما.

وهكذا اتكأ فايتسمان على محظية الوطن القومي اليهودي في وعد بلفور آملاً أن يتمكن أخيراً، كمحظية، من طرد المنافس العربي من الخطة الإمبريالية البريطانية، وتستطيع المحظية اليهودية، مع الزمن، أن تصبح زوجة للإمبريالية البريطانية.

إلا أن كل من المحظيتين طالبت بطرد الأخرى كما جاء في قصة إبراهيم وسارة وهاجر (سفر التكوين 21). وكان أن تم تفضيل الزوجة العبرية على المحظية المصرية، الفكرة التي حفرت في عقل كل طفل يهودي منذ مولده.

وهكذا قبل فايتمسان المساومة عبر اعتقاده بأن القضاء والقدر سيفضل اليهود.

إن أثر الأساطير التوراتية على اليهودية، قضية لم يبالغ فيها، وكانت الطقوس الدينية هي ما أوجده وتمسكوا به.

وقبل أن تحصل بريطانيا على محظيتيها (الوطن القومي اليهودي والانتداب على العرب) بوقت قصير، التحمت المحظيتان معاً وخاضتا صراعاً مميتاً. وإثر ذلك قامت بريطانيا بإرسال لجان متواصلة من أجل أن تهدئ الصراعات المتناقضة التي أخذتها على عاتقها؛ وفي عام 1939 كان الكتاب الأبيض الإنكليزي قد وجه ضربة قاتلة لحلم التجمعات اليهودية في طرد العرب في ظل الحكم البريطاني، لذلك كان لابد من قوة أخرى تلعب دور (أحشفيروش)؛ وبينما كانت بريطانيا عام 1917 نشوانة لتلعب بالطموحات اليهودية، تأكدت عام 1939 أن مصالحها تقع عبر علاقات طبيعية مع العالم العربي.

تطلع سماسرة الزواج، لذلك، نحو قوة أخرى يمكن أن تصبح زوجاً لفكرة الدولة اليهودية، وكان لدى الدول الأوربية تاريخ طويل في دفع الثمن الغالي في اللعبة الإمبريالية، لذلك لم توافق أي منها على اللعب في فكرة الدول اليهودية.

كان هناك قوة عالمية نامية وساذجة تماماً، وغير مدركة أو مضطلعة في قضايا الشرق العربي، هي الولايات المتحدة.

أرسل الرئيس ولسون عام 1919 مندوبين إلى سورية هما: تشارلس كراين وهنري كنغ ليتحققا من رغبات العرب المتحررين حديثاً. ولقد أشارا في تقريرهما أن العرب موحدون ضد الصهيونية لأنها خططت لطرد الفلسطينيين عبر إقامة دولة يهودية مطلقة. وأنه إذا ما قبل هذا المشروع فإنه يحتاج إلى 50.000 عسكري أميركي من أجل فرض هذا المشروع على العرب.

لقد حقق الصهيونيون نجاحات أثناء مرحلة الانتداب، فقد أصبح عددهم في فلسطين عشرة أضعاف عددهم عام 1919 واستطاعوا تنظيم أنفسهم، وتجهزوا بإمدادات عسكرية وقيادية عبر نمو الهاغاناه.

كانت المملكة المتحدة ضعيفة كقوة إمبريالية. ومن أجل طردها كانت هناك الولايات المتحدة القوة الناهضة مع تجمع يهودي عدده خمسة ملايين ونصف داخلها يشكلون حصان طروادة اليهودي الذي يمكن أن يوظف ويناور لتحقيق الحلم الصهيوني.

كان جهل الولايات المتحدة عن الشرق العربي تاماً. ولم يكن الأميركيون جاهلين فقط بل كان من السهل خداعهم أيضاً، لقد كان تمركز اليهود في المناطق الانتخابية الأساسية: نيويورك وبنسلفانيا، اليونز، أوهايو، كاليفورنيا، لذلك لعبوا دوراً في النتائج المستقبلية.

كان عام 1948 عام انتخاب قومي ومحلي، لقد بدت هذه السنة وكأن إله إسرائيل قد هيأ الولايات المتحدة عريساً (لإستر)؛ عام 1948 الدولة اليهودية تزوجت الدبلوماسية الأميركية- وهنا برز فريق قوي من سماسرة الزواج ليزوجوا دولة إسرائيل المقبلة مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

لقد قام بهذا الدور كل من حاييم فايتسمان، دافيد بن غوريون، الحاخام هللر سيلفر في كليفلاند، فليكس فرانكفورتير، الحاخام ستيفن وايز وعدد من الاستراتيجيين العاملين في الدولة والشؤون القومية، كانت لهم علاقات حميمية مع رجالات الكونغرس والسيناتورات وحتى مع الرئاسة.

في أيار عام 1942، وفي خندق بلتمور في نيويورك خرجت هذه المجموعة من سماسرة الزواج ببرنامج لتزوج إستر إلى حكومة الولايات المتحدة في علاقات وثيقة ثابتة. ومن خلال جهلها في إدراك النتائج تورطت الولايات المتحدة في دعم إقامة دولة يهودية بحيث لا تستطيع بعدئذ الانسحاب، لأن التجمع اليهودي في الولايات المتحدة سيشكل الضمانة لمثل هذا الحلف الثابت، وهكذا في عام 1946، وفي الاجتماع الأخير للمنظمة الصهيونية العالمية في سويسرا تم إبعاد فايتسمان كنموذج للعلاقات الصهيونية- البريطانية وتم انتخاب الحاخام هللر سلفر من الولايات المتحدة رئيساً جديداً للمنظمة.

لقد وضع صهيونيو الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على كاهل البيت الأبيض والكونغرس الذين استسلموا بدورهم إلى إغراءات الزواج بين إستر (الدولة اليهودية) والملك أحشفيروش (حكومة الولايات المتحدة).

إن اليهود في الولايات المتحدة يتفاخرون بمواقفهم الليبرالية، ولكن في المواضيع المتعلقة بإسرائيل يجدون أنفسهم متعصبين في دعم الدولة الصهيونية.

هذا التناقض سلط عليه الضوء البروفيسور اليهودي (كلوس. ج هيرمان) من جامعة كونكورديا مونتريال كوبيك عندما قال:

“بكل أسف إن وجهة نظر القدامى من اليهود الإصلاحيين حسب بيان مؤتمر بترسبورغ عام 1883 والتي ترى في اليهود مجتمعاً دينياً قد دمرت نهائياً بما أقامه الإصلاحيون في التاريخ المعاصر. إن هؤلاء الحاخامات قد صنعوا تقليداً دموياً، لقد فضلوا إحياء القصص الوهمية القديمة وخرافات العنصرية وأساطيرها وغيرها من العشائرية والرجعية والتعصب القومي”.

لقد شجع الرئيس الأميركي الأسبق (ترومان) قيام دولة يهودية في منطقة كان يسودها الفلسطينيون العرب، بل ودعمها، الأمر الذي أدى إلى إغراق المنطقة في حروب متواصلة ومذابح وحرب عصابات عدا عن مليارات الدولارات التي قدمتها الولايات المتحدة ثمناً لهذه الحروب.

ولنا أن نستشهد بما قاله البروفيسور (مكسيم رودنسون) عام 1973 في كراس كتبه يحمل اسم (إسرائيل دولة كولونيالية استيطانية).

إن تحليل رودنسون في هذا الكراس يقوم على أساس مقارنة الأفكار والأساليب الصهيونية كجزء من الممارسات الكولونيالية الإمبريالية الأوربية في القرن التاسع عشر، وكانت نظريته تقوم على أن القوى الإمبريالية كانت مؤمنة بأن الشعوب في المستعمرات التي تحتلها ستقوم بالثورة من أجل الاستقلال كما حدث في المستعمرات الإسبانية التي ثارت على المحتل الإسباني في القرن التاسع عشر وكذلك ثورة البرازيليين ضد المستعمرين البرتغاليين إضافة إلى تجربة الاستعمار في شمال إفريقيا إذ استطاعت الثورة أن تخرجه من الجزائر جاراً أذيال الخيبة، لذلك عمدت، هذه القوى إلى زرع مجموعات استيطانية في أماكن متفرقة من فلسطين، ومن ثم تنميتها لتؤدي مهامها المستقبلية في السيطرة على المنطقة.

إن الهدف الصهيوني يؤكد على أن السكان الأصليين يجب أن يطردوا خارجاً اعتماداً على سفر العدد: “وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم، ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها”.

لقد نظر الصهيونيون للعرب نظرة المستعمرين الأميركيين للهنود، ونظرة المستعمرين الإسبان والبرتغاليين للسكان الأصليين في أميركا الجنوبية وكذلك نظرة الألمان إلى الهوتنتوس في جنوب أفريقيا.

إن المدقق في تاريخ التوراة كفكر يهودي يدرك تلك الخطوط المتوازية بين تعابيرها الثيوقراطية وبين الاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر، مع فارق أن العرب لم يكونوا شعباً متخلفاً، بل كانوا ورثة حضارة وعبقرية عظيمة عانت من التحطيم المعنوي والإهمال تحت الحكم العثماني، لكنها كانت قادرة على الحياة والاستمرار عبر توارثها.

إن المرحلة التي استطاع فيها العبرانيون ذبح الكنعانيين وفرض قناعتهم المذهبية كما حدث في عهد السلالة الحشمونية أيام كانيوس والكسندر جانيوس، أو مرحلة الاستعمار الإمبريالي قد ماتت إلى الأبد، ومع ذلك حاول الصهيونيون استخدام كلا النموذجين من أجل إقامة الدولة اليهودية في النصف الثاني من القرن العشرين.

صاغ الصهيونيون في الولايات المتحدة شعاراً يقول “ما هو جيد لإسرائيل جيد للولايات المتحدة” وهذا اللحن الإعلامي وصل ذروة التضليل عندما أعلن رئيس اللوبي الصهيوني آي. ل. كين أمام لجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب الأميركي في 22-30 تموز عام 1970 أن: “وجود إسرائيل هو حماية متقدمة لمصالح أميركا النفطية في الخليج والعربية السعودية والكويت والبحرين وإيران”. وهذا ما نجده راسخاً في البنية الفكرية لدى الأميركيين بعدما استحوذت عليهم الأوهام الإسرائيلية وأسكرتهم تضليلاً إلى درجة لا يستطيعون معها معرفة ما هي المصلحة الحقيقية لشعوبهم، وهذا ما نجده بالفعل؛ فبقدر ما استمرت بريطانيا في إعطاء امتيازات لليهود كان البريطانيون “جيدين” ولكن عندما ظهر الكتاب الأبيض عام 1939 وأصبح ظاهراً فيه أن بريطانيا أصبحت مهتمة أيضاً بمصالح العرب، هاجم الصهيونيون بريطانيا، وباشروا بحرب عصابات ضدها.

الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة-فإذا هجرت مصالحها لصالح الصهيونية فهي (جيدة) بينما يكون اتهام الخبراء الذين يجادلون ويناظرون في أن للولايات المتحدة مصالح كبيرة وحيوية في العالم العربي، يكون اتهامهم بمعاداة السامية جاهزاً.

وفي الوقت نفسه هناك تقسيم آخر:

الصهيونيون الذين يذهبون إلى فلسطين هم (ممتازون، أنقياء، شجعان، مبدعون، أحرار) واليهود الذين تتاح لهم فرصة زيارة إسرائيل من الذين اختاروا البقاء في بلدانهم، يعيشون جواً سيئاً أثناء هذه الزيارة فيوصفون بالشراهة وحب المال، بل وينظر إليهم على أنهم كفوا عن كونهم يهوداً وبشكل نهائي؛ وهذا ما أكده هرتسل وفايتسمان وثنى عليهما بن غوريون عندما ذهب إلى تسجيل قول عالم يهودي في القرون الوسطى: “إن اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل يعيشون دون إله”.

فاليهودي لا يستطيع أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات كما يكون في (أرض إسرائيل)، يقول الحاخام اسحق كوك: “لا يستطيع اليهودي أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات كما يكون في أرض إسرائيل، بينما يكون خارجها مشوشاً، ملوثاً، غير نقي، وعلى أية حال، فكلما ازداد تعلق الشخص بأرض إسرائيل زادت أفكاره طهارة؛ لأنها حنيئذ تعيش في هواء إسرائيل الذي يحيي كل من يشتاق إلى الأرض؛ إذ ليس لليهودية في أرض الشتات وجود حقيقي، إلا بكونها تحيا بقوة رؤية مستقبلنا، وبذكرى مجد ماضينا، ولكن يجب أن ندرك أن هناك حدوداً لقوة هذه الرؤية لتحمل أعباء الحياة وتوجيه حياة الشعب، ويبدو أن هذه القوة قد استنفدت الآن طاقتها وأصبح يهود الشتات يتحللون بشكل مخيف، ولا أمل لهم بإعادة زرع أنفسهم والاعتماد على ينبوع الحياة الحقيقي المقدس، الموجود في أرض إسرائيل فقط”.

ويقول الحاخام يهودا أميتال في هذا الصدد، لكن بفلسفة مثالية مغرقة في الارتباط بأفكار مجردة لا علاقة لها بالعقلانية:

“إن الصهيونية لا تبحث عن حل لمشكلة اليهود بتشييد دولة يهودية، إنما بتشييد دولة هي أداة في يد الخالق الذي يعد شعب إسرائيل للخلاص.. وليس هدف هذه العملية تطبيع شعب إسرائيل ليصبح أمة مثل كل الأمم وإنما ليصبح شعباً مقدساً، شعب الله الحي” [Rubertstein The Zionist Revisited, P, 104 ]

لعلي أسهبت في رسم ملامح تأثيرات عقيدية بذلت جهداً كبيراً في استيضاحها فكروياً مع طرح حر اعتماداً على التاريخ وإنطاقه بحيثياته المختلفة.

يتلقى التاريخ، صهيونياً، تجييراً يهودياً، بمعنى: أي تاريخ سياسي قام في العالم يعده اليهود مأخوذاً عن برنامجهم العقيدي. ولعلي أحافظ على موقعي في نقاش سفر استر إذ توصلت معكم إلى تحديدات سياسية اعتمدها قص توراتي أباح سيرورة تاريخية من وجهة نظر صهيونية. عناصر الزواج معروفة ولابد لنا من التعاطي معها بعد طرح التقديم والذي أرجو أن يكون مناسباً- أعيد الآن تشكيل شخصيات السفر:

قدم المؤسس الأول لأميركا نصيحة للأميركيين في وصيته التي جاءت في خطابه بالمجلس التأسيسي الأميركي عام 1789:

أيها السادة:

“لا تظنوا أن أميركا نجت من الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها، فهي مازالت مهددة بخطر جسيم لا يقل خطورة عن الاستعمار… وهذا الخطر سوف يأتينا من جراء تكاثر عدد اليهود في بلادنا، وسيصيبنا ما أصاب البلاد الأوربية التي تساهلت مع اليهود وتركتهم يستوطنون في أراضيهم.. إذ إن اليهود بمجرد تمركزهم في تلك البلاد عمدوا إلى القضاء على تقاليد أهلها ومعتقداتهم وقتلوا معنويات شبابها بفضل سموم الإباحية واللا أخلاقية التي نفثوها فيهم، ثم أفقدوهم الجرأة على العمل وجعلوهم ينزعون إلى التقاعس والكسل، بما استنبطوه من الحيل لمنافستهم على لقمة عيشهم، وبالتالي سيطروا على اقتصاديات البلاد وهيمنوا على مقدراتها المالية، فأذلوا أهلها وأخضعوهم لمشيئتهم، ومن ثم أصبحوا سادة عليهم، مع أنهم يرفضون الاختلاط بالشعوب التي يعايشونها، حتى بعد أن كتموا أنفاسها، فهم يدخلون كل بلد بصفة دخلاء مساكين، وما يلبثون أن يمسكوا بزمام مقدراتهم، ومن ثم يتعالون على أهلها وينعمون بخيراتها دون أن يجرؤ أحد على صدهم عنها.

ولقد رأينا في الماضي كيف أذلوا أهل إسبانيا والبرتغال، وما يفعلونه اليوم في بولونيا وسواها من البلاد. ومع هذا كله جعلوا التذمر شعارهم حيثما وجدوا، والتشكك ديدنهم، فهم يزعمون أنهم مضطهدون، وأنهم مشردون.. ويطالبون بالعودة إلى فلسطين. مع أنهم لو أمروا بالعودة إليها لما عاد جميعهم ولظل الكثيرون حيث هم.. أتعلمون أيها السادة لماذا؟ لأنهم أبالسة الجحيم وخفافيش الليل ومصاصو دماء الشعوب.. فلا يمكنهم أن يعيشوا مع بعضهم البعض لأنهم لن يجدوا فيما بينهم من يمتصون دمه، ولهذا فهم يفضلون البقاء مع الشعوب الشريفة التي تجهل أساليبهم الشيطانية ليثابروا على امتصاص دماء أبنائها ولينهبوا من خيراتها، وللأسباب التي أوضحتها لمجلسكم الموقر، أتوسل إليكم أيها السادة أن تسارعوا في اتخاذ هذا القرار وتطردوا هذه الطغمة الفاجرة من البلاد قبل فوات الأوان ضناً بمصلحة الأمة وأجيالها القادمة، وإلا سترون بعد قرن واحد أنهم أخطر مما تفكرون، وستجدونهم قد سيطروا على الدولة، والأمة، ودمروا ما جنيناه بدمائنا، وسلبوا حريتنا، وقضوا على مجتمعنا، وثقوا بأنهم لن يرحموا أحفادنا.. بل سيجعلون منهم عبيداً في خدمتهم، بينما هم يقبعون خلف مكاتبهم يتندرون بسرور بالغ بغبائنا ويسخرون من جهلنا وغرورنا.

أيها السادة: لا تظنوا أن اليهود سيقبلون يوماً الانصهار في بوتقتكم أو الاندماج في مجتمعكم.. فهم من طينة غير طينتنا ويختلفون عنا في كل شيء.

وأخيراً أهيب بكم أن تقولوا كلمتكم الأخيرة وتقرروا طرد اليهود من البلاد، وإن أبيتم فثقوا أن الأجيال المقبلة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود.

بعد هذا التحذير نشطت الجمعيات البروتستانتية بمختلف ألوانها وأشكالها وبكل كنائسها من معمدانية ومشيخية، ولوثرية، وأصولية، وإدفنتستية، ومورمونية، ومتطهرة ومتطوحة، وأبرشية، وخلقانية، وخمسينية، وميثودستية وغيرها وغيرها، والتي يفوق عددها المئتي مذهباً، لنشر الفكرة التوراتية بين المسيحيين وإقناعهم بقداستها وبأن الخلاص الذي يرجونه هو عودة المسيح الثانية المشروطة بجمع الشتات اليهودي في أرض فلسطين على أمل أن يتحول اليهود بعدها إلى المسيحية إثر  معركة هارمجدون المنتظرة بين أعداء المسيح وأتباعه والتي ستجري في منطقة ماشك وتوبال كايين وهي المنطقة المحصورة بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

أرجو أن لا يفهم من كلامي هذا أن شخصيتي هامان وأحشفيروش تتطابقان هنا- أعني كيما يتم دفع اللبس، لبس فرانكلين بادئ ذي بدء وجه هامان وتحدث إلى الشعب الأميركي المستلب عقيدياً، وبعبارة أخرى لا يستطيع هذا الشعب الأخذ بكل ما يريده هذا الـ (هامان) ذلك أن أحشفيروش- الشعب الأميركي كان قد سكر تضليلاً عقيدياً.

أعتقد أنني أمام مفارقة هنا:

في الوقت الذي تلعب به التوراة دور إستر، لتضليل الشعب الأميركي أحشفيروش؛ برقصها على حبال الجمعيات إياها تتأتى من التوراة قصتها؛ بمعنى أنه في الوقت الذي تملي به التوراة عقيدياً إملاءاتها على أحشفيروش في لحظة ما، يكون الزمن التوراتي في حالة نكوص ارتدادي في القصة؛ وبعبارة أخرى: كيف يمكن لقصة موجودة تحكي رموزاً بعينها أن تلامس حقيقة موجودة على الأرض أو بالعكس- أثناء لعب الأدوار: إستر- التوراة- أحشفيروش الشعب الأميركي، هامان- فرانكلين.. أمامنا على المسرح يتوقف الزمن على هذا المشهد ليعود سنوات طويلة إلى الوراء-هذا المشهد بكليته، وحال المشهد الصورة في جمود مطلق محتوى في الكتاب الذي تحدث هو نفسه عن هذه القصة منذ القديم!!.

“إن يهوه، إله السموات يدعو الأمة الأميركية أن تهب برسلها سريعاً لإغاثة أبنائه المشتتين، بني إسرائيل، فهبوا يا رسل أميركا وأعدوا أنفسكم لتحملوا أنباء الفرح والخلاص لأقرباء مخلصكم مما هم فيه من ذل وشتات”.

ثم يتابع الباحث الأميركي بيتر غروس في كتابه “إسرائيل في ذهن أميركا” أقوال القس جون ماكدونالد: “إنه مقضي أن تقود أميركا المسيحية أمم الأرض، وتبعث بنيها وتستخدم ثروتها لتنفيذ مخطط الله على الأرض.”

وفي الكتاب نفسه يذكر المؤلف أن القس المرموني أورسون هايد أعلن أن فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين تزداد قوة وترسيخاً وانتشاراً. فـ”العجلة العظيمة قد بدأت تدور، ويقول الرب القدير على كل شيء، إنه لن يقف في طريقها أي شيء”.

ثم إن الباحث الأميركي هنري فاينجولد يذكر إن وارد رد كريسون وهو من طائفة (الكويكرز) وهو أول قنصل أميركي عين في القدس عام 1844 قد صرح: “إن الرب يساعد على وجوب إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين”.

أما أشد دعاة البروتستانت، كما يذكره بيتر غروس فهو وليم بلاكستون من الكنيسة الميثودستية إذ جاء في كتابه: “يسوع قادم”، الصادر عام 1878 ما يلي: “إن الله قد أبقى على اليهود لأنه أرادهم أن يكونوا شعبه المختار، ومن الشذوذ في فلسطين أنها أرض بغير شعب، لذا يجب أن تعطى لشعب من غير أرض، وعلى الدول التي وقعت اتفاقية برلين سنة 1878 وأعطت بموجبها بلغاريا للبلغار، وصربيا للصرب، أن تعود وتعطي فلسطين لليهود الذين أجلاهم الرومان عنها منذ سبعة عشر قرناً.”

لدعم فكرته هذه قدم بلاكستون سنة 1891 للرئيس الأميركي وليم هاريسون عريضة بهذا المعنى موقعة من أربعماية وثلاث عشرة شخصية من كبار المسيحيين النافذين. وقد ارتكز مؤتمر بال عام 1897 على هذه العريضة.

بعد مؤتمر بال وبسبب عدم إصرار ثيودورهرتسل على فلسطين كوطن قومي ونهائي لليهود، قامت عليه قيامة المسيحيين الأميركيين المتهودين ومن بينهم المستر بلاكستون الذي قام بزيارة هرتسل وأهداه نسخة من الكتاب المقدس وقد أشار فيه إلى الفقرات التي تحدد الوعد الإلهي بفلسطين، دون غيرها، كوطن قومي لليهود.

ولا تزال هذه التوراة محفوظة في ضريح هرتسل وهي مفتوحة على الصفحات المشار إليها، وذلك تخليداً لذكرى بلاكستون المسيحي، الأشد ولاءً للصهيونية من مؤسسيها أنفسهم.

اشتدت المنافسة بين القساوسة من سماسرة اليهودية في قلب الدين المسيحي على رفع أصواتهم في محطات التلفزيون من أمثال: جيمي بيكر، وجيمي سواغرت، وبات روبرتسون، وجيري فالول وغيرهم وذلك لكسب الود اليهودي. ففي كتابه: “اسمعي يا أميركا” [Listen America] الذي عنونه مؤلفه القس التلفزيوني جيري فالول مشابهة لما تبدأ به صلاة الشيمع عند اليهود، دعا فيه المسيحيين لجمع الشتات اليهودي في فلسطين إعداداً لمجيء المسيح المنتظر، وقد جاء في كتاب بول فيندلي [They Dare to Speak out] أن جيري فالول قال في خطبته أمام حشد من اليهود: “إن اليوم الذي سيستحيل فيه انتخاب أي مسؤول أميركي غير موال لإسرائيل يقترب بسرعة”. لقد وصل هذا اليوم بالفعل وأصبح قول جيري فالول حقيقة واقعة يعرفها الشعب الأميركي ويعيشها. وبذلك أيها السادة يكون نموذج فرانكلين قد قتل ولم يعد له وجود- دور هامان عبر سيرورة معينة تم تحييده من اللعبة ليعود التضليل الخمر تدار لتحقيق مزيد من المكاسب يهودياً: إن في ترسيخ مقولة إن إسرائيل هي مفتاح أمان بقاء أميركا من شأنها أن تعيد بناء الأدوار من جديد.

يذكر القس هال لندسي، عميد منظمة تاف للقساوسة الإنجيليين والصديق الحميم للرئيس رونالد ريغان، في كتابه: [The Great planet, Earth] الصادر سنة 1980 عن دار بنتام في نيويورك: “إن العالم سيفنى في هارمجدون التي أصبحت على الأبواب وستكون نتيجة هذه الحرب اجتماع شمل اليهود في فلسطين، وسيعاد بناء الهيكل وتسود إسرائيل على الأمم”.

بناء على هذه الأفكار نشرت مجلة ساندييغو ما غازين الحديث الذي جرى بين الرئيس رونالد ريغان ورئيس تحرير المجلة الصحفي جيمس مايلز أثناء الغداء الذي أقيم في ساكارمنتو تكريماً للرئيس ريغان؛ أعلن ريغان أنه مقتنع أن معركة هارمجدون ستقع حتماً بسبب الأزمة الليبية. وقد أوردت السيدة غريس هالسل هذا الحديث في كتابها: “النبوءة والسياسة”؛ كماإنها تذكر قولاً للبروفيسور فرنكلين ليتل وهو من قساوسة الكنيسة المنهجية أطلقه في مؤتمر القيادات المسيحية الداعمة لإسرائيل وفحواه ما يلي: “كون المرء مسيحياً يعني أنه يهودي وبأن واجبه الأول أن يضع دعم أرض إسرائيل فوق كل وأي اعتبار آخر” [القراءات الملعونة- جود أبو صوان- د. ن- الطبعة الماسية- 2003 ص 73- 74].

وبناء على دراسة منظمة تاف لموقع هذه المعركة ووقتها، عاد الرئيس ريغان عن حربه ضد ليبيا، لأن موقع المعركة المذكور في التوراة هو منطقة ماشك وتوبال كايين، وهو لا ينطبق على ليبيا.

هذا الترابط بين الفكر الأميركي المتأثر بالتوراة وبين اليهود يؤكده الكاتب والباحث الأميركي بيتر غروس في كتابه: “إسرائيل في ذهن أميركا”، إذ يقول: “إن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل يضمهما عناق حميم في سياق علاقة خاصة، وسواء كانت إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية أصلاً استراتيجياً أو مشكلة استراتيجية فهي مثل أعلى مغروس بعمق في الفكر الأميركي منذ السنوات الأولى لظهور أميركا في العالم الجديد”.

أما عن تأثير التوراة على عقل الشبيبة الأميركية فتقول المؤرخة اليهودية الأميركية باربارا توخمان في الصفحة المئة في كتابها “التوراة والسيف” [The Bible and Sword] الصادر سنة 1984 “إن صهيونية بلفور نتجت عن انكبابه في أيام صباه على دراسة العهد القديم بدفع حثيث من والدته المتدينة جداً.”

ما من أداء عنصري ممكن أن يجاري الحركة الصهيونية. إن قراءة النص الذي يعده البعض مقدساً إنما هو منهج لأداء سياسي صرف.

فإذا كان المفهوم (صهيونيّة) يعني، فيما يعنيه، إقامة دولة ((للشعب اليهودي)) والارتباط بها، فإن الثقافة الصهيونيّة هي باعث هذا المفهوم ومسوغه، وبذلك تكون التربية الصهيونية هي التربية القائمة على استمرار هذا المفهوم عبر الأجيال، والداعية إليه.

إذاً، يكفي المرء أن يقول بدولة لليهود مرتبطة بصهيون حتى يكون صهيونياً، وذلك بصرف النظر عن اعتناقه الديني أو (و) الأيديولوجي؛ وبعبارة أخرى: لا يعد المرء صهيونياً إلا إذا اعتنق هذا المفهوم أو (و) عمل له مهما كان اعتناقه الديني أو (و) الأيديولوجي.

ولنا أن نقول بأن ليس كل صهيوني هو يهودي ولا كل يهودي هو صهيوني: فقد لا يكون الذي يعمل على المشروع الصهيوني يهودياً, وقد لا يكون، بالمقابل، كل من يدين باليهودية صهيونياً؛ إذ إنه قد لا يؤيد دولة للشعب اليهودي مرتبطة بصهيون، ولا يربط وجوده بوجودها. لذلك، ترانا، على سبيل المجموعات أمام المجموعات الآتية:

مجموعة صهيونية تضم عناصر يهودية وغير يهودية وأخرى يهودية تضم عناصر صهيونية وغير صهيونية؛ التقاطع بين المجموعتين يشكل، من بين ما يشكله، مجموعة يهودية صهيونية بمعنى أنها تعتنق اليهودية وتدعو إلى إقامة دولة لليهود مرتبطة بصهيون وتربط وجودها بوجودها، سواء عاشت فيها أم لا.

الثقافة التي تفرزها مجموعة التقاطع هذه تبيح تربية وتعليماً يقدمان لاستمرار مفهوم هذه المجموعة وتوارثه عبر الأجيال.

قد تنطلق بين الحين والآخر أصوات يهودية صهيونية تقول بحقوق العرب في العيش بسلام إلى جانب (إسرائيل)، وقد يتم الإعداد لأداء صهيوني (نادم) على ما فعل بالعرب!!! كأن يكتب أديب صهيوني قصيدة تقول بأن العرب ظلموا؛ أو أن يصدر فيلماً صهيونياً ينتقد بعض الممارسات الصهيونية من حين لآخر، بل ويمكن أن يصور بشاعة الأداء الصهيوني كذلك…. ولكن حتى هذا الأداء إنما هو، من وجهة نظري أداء سياسي تقتضيه مرحلة سياسية ما، وقد يدس سماً فكرياً يبرئ الممارسة الصهيونية، كأن يقول بأن الصهاينة لم يشاركوا في قتل العرب بل إن العرب لديهم نسب بهجة لمنظر الدم بصرف النظر عن صاحبه، ويكون التعاطي الصهيوني مقتصراً علي ما يسمونه التضحية بالروح من أجل فك اشتباك العصابات العربية المتنازعة، ولا بأس،صهيونياً،من الاعتراف بذنوب يعدها الغرب صغيرة كي يعطي ما يشبه المصداقية لهذا الطرح أو ذاك. وكلنا تقريباً سمع أو شاهد الفيلم الصهيوني (الرقص مع بشير) الذي يطرح مفهوماً تضليلياً خطيراً مفاده أن الصهاينة براء من دم الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا. ليس هذا وحسب بل ويصور الجندي الصهيوني إنساناً يمكنه أن يشعر بالذنب حتى لعدم تدخله في إيقاف قتل أعدائه بعضهم بعضاً.

فيأتي الرأي العام الغربي ليصادق عليه ويعده فتحاً ديمقراطياً إذ ينتقد الجندي الصهيوني عدم تدخل حكومته لمنع قتل أعدائه بعضهم بعضاً إلا في اللحظات الأخيرة مطهراً الأداء الصهيوني المرتكز على ذاك الفكر أمام الغرب من عمليات القتل الممنهج التي مارسها ويمارسها الجندي الصهيوني.

بل وقد تنطلي هذه الحيلة كذلك على بعض الباحثين العرب. لذلك أدعو رفاقي وزملائي من باحثين وكتاب وأدباء إلى التنبه من عمليات الاحتواء التي يحاولها هذا الأداء بطروحاته.

أما الآن، أيها السادة، ونحن في هذه الظروف، التي باتت لا تخفى على أحد نجد أن الصهيونية قد وصلت إلى نتيجة مفادها: أن عصا موسى لم تعد تفي بالغرض نتيجة الرغبة الجارفة لدى العرب الفلسطينيين في التحرر، وتعاطف الرأي العام العالمي مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني، الأمر الذي أظهر إسرائيل كمن يجلس على فوهة بركان، وإن هذه الأبخرة المتصاعدة من فوهته، لهي الدليل على نشاط القوى الموجودة داخله والتي من شأنها اقتلاع الفوهة برمتها عند انفجارها.

فكان لا بد للصهاينة يهوداً و غير يهود من أن ينتصبوا عصا صهيونية في المنطقة، قادرة على شق البحر متى أرادت إسرائيل، ضاربين عرض الحائط بكل المصالح الحيوية لشعوبهم وذلك خدمة لمصالح هداسا إستر.

التصنيفات :بحوث استراتيجية