أرشيف

أرشيف المؤلف

الديمقراطية الحزبية

د. فؤاد سليم أبو زريق

نرى أن هذه القضية محورية، فتأثيرها لا يقتصر على سلوك الأحزاب الداخلي فقط، بل تؤثر كذلك على طابع الجهاز السياسي برمته.

الديمقراطية الداخلية في الأحزاب: النظرية والممارسة

للمصطلح «حزب ديمقراطي» ثلاثة مفاهيم. أولاً، إنه الاسم غير الرسمي لعدد لا بأس به من الأحزاب في الولايات المتحدة وإيطاليا واليابان وأستراليا ودول أخرى. ثانياً، يعرف المصطلح الحزب العامل في جهاز سياسي تنافسي وحر بأنه حزب ديمقراطي. ثالثاً يمكن تضييق المصطلح إلى أحزاب تقيم جهازاً داخلياً ديمقراطياً. وسوف نركز على المفهوم الثالث الذي يتعلق بالإجراءات الديمقراطية في ميدان الحزب الداخلي.

يمكننا، هنا أيضاً، أن نعتمد تعريفاً مختصراً أو موسعاً. ومن الممكن التطرق في السياق الحزبي الداخلي إلى أربعة مبادئ ديمقراطية رئيسة: المشاركة والتنافس والتمثيل والاستجابة. تحوي الديمقراطية الحزبية الداخلية، بتعريفها الضيق المبدئين الأولين، المشاركة والتنافس. والحزب الذي يشترك أعضاؤه باختيار زعيمه ومرشحيه إلى البرلمان هو الحزب الذي يقيم ديمقراطية حزبية داخلية. ثمة طرق أخرى يمكن لأعضاء الحزب معها أن يتدخلوا في اختيار مرشحيه: طرق «مباشرة» مثل البرايمرز، وطرق «غير مباشرة» مثل انتخاب أعضاء مركز الحزب، الذين يختارون بدورهم، فيما بعد، الزعيم أو المرشحين. التعريف الضيق يمكن معه أيضاً أن نميز نظام انتخاب المؤسسات الحزبية وتصويت مجمل الناخبين على موضوعات أيديولوجية جوهرية (Scarrow, 1999).

تشمل الديمقراطية الحزبية الداخلية بتعريفها الواسع مبادئ الديمقراطية الأربعة الرئيسة كلها وبالتالي تستوجب  عدداً من المطالب: مشاركة أعضاء الحزب في اختيار مرشحيه وزعيمه؛ إمكانية عزل زعيم الحزب؛ تمثيل الأقليات تمثيلاً عادلاً ونسبياً؛ القدرة على التأثير في برنامج الحزب وجدول أعماله؛ حماية حقوق أعضاء الحزب الأساسية، بما في ذلك عدم إبعاد العضو إلا من خلال إجراء داخلي صحيح؛ الشفافية وحق الوصول إلى المعلومات، بما فيها معلومات عن وضع الحزب المالي ورصيده؛ حرية التعبير وحرية تشكيل روابط (مجموعات) داخل الحزب؛ الحق في الاستئناف أمام المحاكم في حال الإضرار بالديمقراطية داخل الحزب؛ واتخاذ القرارات بناء على قرار الأغلبية في مؤسسات الحزب جميعها (Marzel، 2006: 61). ونحن نرى في هذا الباب أن الحزب يقيم ديمقراطية داخله إذا كان لأعضائه تأثير مباشر أو غير مباشر على واحدة على الأقل من هاتين العمليتين الداخليتين: اختيار مرشحي الحزب للانتخابات البرلمانية واختيار زعيم الحزب.

تسمية المرشحين للانتخابات البرلمانية هي إحدى العمليات المركزية المنوطة بالأحزاب الحديثة. فتسمية المرشحين، بمفهوم معين، هو «انتخاب قبل انتخاب» (Rahat, 2007a)، ولذلك ثمة أهمية في السياق الديمقراطي للطرق التي يتم وفقها تحديد قوائم المرشحين، فمن شأنها أن تؤثر على المشاركة وعلى التنافس وعلى التمثيل وعلى التماسك الحزبي وعلى سلوك المشرعين. والآثار المترتبة على طرق تحديد المرشحين في الميدان الحزبي الداخلي قد لا تقل في بعض الحالات عن الآثار المترتبة على الانتخابات العامة في ميدان الأحزاب.

الديمقراطية الداخلية ما لها وما عليها

أثيرت العديد من الذرائع في الأدبيات البحثية حول فضل الديمقراطية الحزبية الداخلية (Ranney, 1954; Ware, 1979; Teorell,1999). تعتقد الذريعة الأولى أنه لما كانت الأحزاب في الديمقراطيات الحديثة جزءاً لا يتجزأ من جهاز السلطة كله، وبما أن طابع جهاز السلطة هو طابع ديمقراطي، فإن الأحزاب كذلك يجب أن تحوي ديمقراطية داخلية. ووفقاً لهذه الذريعة يجب أن تكون ثمة علاقة وثيقة بين الديمقراطية الداخلية والديمقراطية الخارجية. غياب الديمقراطية الداخلية قد يضر، على المدى الطويل، بالديمقراطية الخارجية أيضاً، إثر الإضرار بالثقافة السياسية الديمقراطية على سبيل المثال. مقابل ذلك، يمكن للديمقراطية الداخلية أن تكون عوناً في استيعاب القواعد الديمقراطية، خصوصاً من قبل الأحزاب التي تفتقر إلى الثقافة السياسية الديمقراطية (أبنون، 1993: 53؛ مارزل، 2006: 62).

وبناء على ذريعة أخرى، تسهم الديمقراطية الحزبية الداخلية في تعزيز شرعية النظام الديمقراطي، ذلك أن الناخبين يشعرون أن تأثيرهم على السلطة – من خلال تأثيرهم على الأحزاب – أكبر من التأثير الذي يجدونه لدى التصويت في الانتخابات العامة كل بضع سنوات. لذلك فإن الديمقراطية الحزبية الداخلية قد تزيد من نشاط المواطنين السياسي في الأحزاب ومن عدد أعضاء الأحزاب. هذه الفوائد ذات أهمية خصوصاً في ضوء الاغتراب السياسي المتزايد والانخفاض الحاد في نشاط المواطنين الحزبي (Scarrow, 1999: 347)([1]).

الديمقراطية الداخلية ضرورية من أجل مهمتي الأحزاب الرئيستين – تجميع المصالح وتمثيلها. وبلا ديمقراطية حزبية داخلية فإن الجماعات والأيديولوجيات على اختلاف أنواعها التي على الحزب تمثيلها لن تكون قادرة على التعبير عن صوتها وعن موقفها تعبيراً صحيحاً داخل الحزب، ولن يكون الحزب قادراً على جمع مصالحها أو التعبير عنها (مارزل، 2006: 62). وضع كهذا يؤدي إلى تسلط قيادة الأحزاب. أضف إلى إنها ستجمد مكاسبها، ولن تستجيب للتحديات الجديدة، ولن تتمكن من التغير تبعاً للظروف ولن تقدم قادة آخرين. وأخيراً، تزيد الديمقراطية الداخلية كذلك من مستوى مسؤولية قيادة الحزب أمام ممثلي الجمهور المبتدئين («الجالسين في المقاعد الخلفية»)، والنشطاء والأعضاء في الحزب، لأنها تمنح الطبقات الدنيا من الهيكل الحزبي أدوات تكون قادرة معها على انتقاد قيادة الحزب والإشراف عليها.

مع ذلك فإن الأدبيات البحثية لديها تقليد طويل لا يرى بوجود الديمقراطية على المستوى الحزبي الداخلي قيمة حيوية. إحدى المقولات التي كثيراً ما تم اقتباسها في هذا المجال منذ عام 1942، هي إن من المهم أن توجد الديمقراطية في التنافس بين الأحزاب لا في داخلها (Schattschneider, 1942: 60). بعبارة أخرى، ممكن للأحزاب أن تكون أوليغارشية في بنيها الداخلية، ولن يضر هذا مطلقاً بحيوية النظام السياسي العاملة فيه، مادامت مبادئ الديمقراطية الأساس يتم المحافظة عليها في الميدان بين الأحزاب (Sartori, 1965: 124; Dahl, 1970: 5; Sartori, 1987: 152). ونظراً إلى إن الأحزاب تتنافس فيما بينها على أصوات الناخبين، فعليها أن تكون مسؤولة أمام ناخبيها لا أمام أعضائها. بالتالي فإن الديمقراطية الداخلية ليست ضرورية. ويقول موريس ديفورجيه إن فعالية الأحزاب التي لديها ديمقراطية داخلية تكون محدودة (Duverger, 1954: 134). وإذا ما كانت الأحزاب العاملة في الجهاز السياسي الواحد، بعضها استبدادي والآخر ديمقراطي، فإن الأخير سيكون في وضع غير مؤات في الصراعات السياسية والانتخابية.

قد تزيد الديمقراطية الداخلية من تبعية ممثلي الحزب لوسائل الإعلام ولأصحاب رأس المال وتقلل من خلال ذلك من تبعيتهم (ومن ثقتهم) لزعيم الحزب ومؤسساته. وقد تضر باستقلالية القيادة الحزبية وتؤدي إلى قيام علاقة بين ممثلي الجمهور ومقاولي الأصوات، وجماعات الضغط وأصحاب رأس المال إلى الفساد (مارزل، 2006: 62-66؛Ranney, 1954: 156; Rahat and Hazan, 2001: 313-314). قد تضر بعد ذلك بالتماسك الداخلي وبقدرة الحزب على بلورة خط أيديولوجي. أضف إلى ذلك فإن التبعية لأعضاء الحزب ووسائل الإعلام تزيد من الشخصنة في السياسة وترغم أعضاء البرلمان على تكريس مزيد من الوقت بسبب تقديم مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة الحزبية. وقد تؤدي الديمقراطية الداخلية أيضاً إلى اتخاذ أعضاء البرلمان إجراءات شعبوية أحياناً للفوز بتغطية إعلامية. كل هذا قد يضر بعمل البرلمان والحكومة، بسبب كثرة مشاريع القوانين الخاصة على سبيل المثال.

قد تؤدي الديمقراطية الداخلية بلا تنظيم وكبح كافيين إلى المساس كذلك بنوعية المشاركة، بسبب ظواهر مثل مقاولة الأصوات وقادة الصناديق والأعضاء العارضين الذين ينضمون إلى الأحزاب فقط للتأثير على اختيار المرشحين وأحياناً حتى لا يصوتون في الانتخابات العامة للحزب الذي هم فيه أعضاء (راهت، 2006ب:140؛ Rahat and Hazan, 2001: 315-316).

ومن غير الواضح عموماً ما إذا كانت الإجراءات الديمقراطية الداخلية تدعم القيم الديمقراطية الأخرى، مثل التنافسية أو التمثيل. اختيار المرشحين عن طريق هيئات شاملة يعطي أفضلية زائدة للمرشحين الحاليين ويقلل من فرص المرشحين الجدد وغير المعروفين في أن يتم انتخابهم. بذلك فقد يمنع تدفق «دماء جديدة» في الحزب. وقد يضر كذلك بتمثيل المرشحين، وخصوصاً مقابل طريقة لجنة التعيينات التي يمكنها تقديم أقليات وممثلي أفكار محددة. استخدام آليات موازنة، مثل حصص تمثيل النساء والأقليات، يمكنه أن يضمن تمثيلاً على المدى القصير، لكنه على المدى البعيد سيضر به، ذلك إنه يخلق ساحة تنافسية منفصلة للنساء والأقليات الذين سيتنافسون بينهم وبين أنفسهم. فإذا تم انتخاب الأقليات أو النساء من قبل أعضاء القطاع نفسه فقط داخل الحزب، فإن المرشحين في هذه القطاعات قد يضعون المصالح القطاعية فوق المصالح الحزبية (راهت، 2006ب: 141)([2]).

ثمة إذاً آراء هنا وهناك حول موضوع أهمية الديمقراطية الداخلية في الأحزاب. لكن وحتى إذا اتفقنا مبدئياً مع الرأي القائل بأن الديمقراطية الحزبية الداخلية شيء يراد، فإن علينا الإجابة عن السؤال ما إذا كانت الدولة بحاجة إلى اتخاذ موقف عن طريق فرض إجراءات ديمقراطية حزبية داخلية أو تشجيعها أو مكافأتها. إنه سؤال من الوزن الثقيل يصعب على كثير من الديمقراطيات الحديثة مواجهته.

ثمة من يعارض تدخل الدولة في هذا المجال معارضة شديدة. تستند هذه المعارضة على مفهوم إن الأحزاب هي الهيئات المستقلة التي يمكنها اتخاذ القرار حول طرق إدارتها الداخلية، وإن تدخل الدولة بشؤون الأحزاب الداخلية إدارياً يمس بحرية تشكيل الروابط. تتوافق هذه الفكرة مع الفكرة الليبرالية التقليدية التي ترى بالحزب هيئة خاصة يحق لها أن تحدد طريقة إدارتها بنفسها. ومثلها مثل أية هيئة خاصة أخرى، وإذا ما كان الناخب غير راض عن حزب ما يمكنه أن يختار أي حزب آخر (أبنون، 1993: 39-40؛ مارزل، 2006: 63-64؛Schattschneider, 1942: 59-60).

يعتقد البعض أن فرض الديمقراطية داخل الأحزاب يعبر عن فهم غير تعددي، ذلك أن ثمة أحزاباً تعبر إدارتها عن جزء من جوهرها ومن رؤاها – كتلك التي تقوم على الزعامة الدينية، وعلى زعامة شخص كاريزمي وما شابه ذلك. وبالمثل، ثمة أحزاب يعكس غياب التمثيل فيها رؤاها. هل، على سبيل المثال، من المناسب أن تفرض الدولة على الأحزاب الدينية تمكين النساء من القيام بالوظائف العامة؟ فرض القواعد الديمقراطية على هذه الأحزاب يضر بجوهرها وبعقيدتها، لذلك يرى البعض بأنه يتعارض مع الديمقراطية (أبنون، 1993: 53). تقول ذريعة أخرى بأن فرض ديمقراطية حزبية داخلية ليس عملياً سواء بسبب أن كثيراً من الأحزاب ليس لديها أعضاء ومؤسسات حقيقية، أو بسبب أن الديمقراطية الداخلية قد تبقى على الورق فقط – إذا صوت عدد قليل جداً من الأشخاص، على سبيل المثال، في الانتخابات الداخلية (مارزل، 2006: 66).

يعتقد أنصار فرض الديمقراطية الداخلية أنه نظراً إلى أن الأحزاب هي هيئات مركزية في هيكل الديمقراطية، فإن الدولة – المعنية بتقدم الديمقراطية وتحسينها، ولديها الصلاحية لفعل ذلك – لها الحق في التدخل في شؤونها الداخلية (Van Biezen, 2004; Hazan and Rahat, 2010: 178). ثمة رأي أساس آخر وهو بما أن الأحزاب تحصل اليوم على تمويل سخي من الدولة، يكون لها الحق من هذا المنطلق أن تتدخل في شؤونها الداخلية. النموذج الليبرالي التقليدي في علاقة الدولة بالأحزاب يتكئ وفق هذا الرأي، على استقلاليتها هي، إلا إن هذا النموذج لم يعد قائماً بسبب اتساع تمويل الأحزاب من قبل الدولة (Austin and Tjernström, 2003; Nassmacher, 2006; Koβ, 2010). تجدر الإشارة بين قوسين إلى أن الأحزاب في الماضي كانت تعتمد على تبرعات أصحاب رأس المال، وعلى رسوم الأعضاء وعلى متطوعين بلا أجر. إلا إن إيرادات الأحزاب قلت قياساً بنفقاتها بسبب زيادة تكاليف إقامة حزب، وانخفاض عدد الأعضاء – وبالتالي رسوم العضوية – وفي عدد الأشخاص المستعدين للعمل في سبيلها بلا أجر. في الوقت نفسه بدأت الدولة ترى في الأحزاب جزءاً من الميدان العام والتعامل معها على إنها مؤسسات ضرورية للديمقراطية خصوصاً وللجماهير عموماً. لذلك فإن لديها مصلحة كبيرة في تمويل الأحزاب، كي تمنع تبعيتها لأصحاب رأس المال أو كي تحافظ على التنافس العادل بين الأحزاب ذات الموارد المختلفة.

الربط بين الصعوبات الاقتصادية في الأحزاب وبين التغير في نظرة الدولة إليها أدى إلى زيادة كبيرة في حجم التمويل الحكومي([3]). وبدأت الدولة مع التمويل الحكومي تتدخل أيضاً في إدارتها الداخلية، لأن عليها أن تتأكد من أن المال يصل إلى هدفه ويتم استثماره في الأهداف التي من أجلها تم تخصيصه. ونتيجة ذلك إذا قررت الدولة أن الديمقراطية الحزبية الداخلية شيء يراد، فمن حقها أن تقدمها عن طريق التدخل في شؤون الأحزاب الداخلية.

ماهو موقف غالبية الدول الديمقراطية؟ يتضح من المنظور المقارن أن عدداً قليلاً من الدول نظمت عن طريق التشريع إجراءات الانتخاب الداخلي أو فرضت طريقة ما على الأحزاب. يجري الحديث عن أربع دول فقط من بين الدول التي ضمتها الدراسة: الولايات المتحدة وفنلندا وألمانيا ونيوزيلندا. وأيضاً في هذه المجموعة الصغيرة ثمة اختلافات. بعضها وضع قوانين مفصلة حول الإجراءات التي على الأحزاب اتخاذها، في حين أشار بعضها إلى عموميات في هذا الصدد.

ينص القانون في فنلندا أن على الأحزاب أن تختار مرشحيها إلى البرلمان عن طريق انتخابهم من قبل الأعضاء (Sundberg, 1997: 103-104). وتلتزم الأحزاب في ألمانيا بإجراء انتخابات داخلية في سياق انتخابات سري وديمقراطي، لكن ليس ثمة تفاصيل حول الطريقة. وفعلاً أغلب الأحزاب تستخدم آليات ديمقراطية غير مباشرة من أجل اختيار زعمائها ومرشحيها إلى البرلمان: هؤلاء يتم انتخابهم من قبل مندوبين عن مؤسسات حزبية الذين تم انتخاب جزء منهم على الأقل من قبل أعضاء الحزب. مع ذلك، ومن أجل استخلاص النتائج وكي يتم حظر الحالات التي يتم فيها انتخاب نصف المندوبين فقط أو أقل في سياق ديمقراطي في حين يتم تعيين البقية، تنص المادة 9(2) من قانون الأحزاب الألماني أن 80% من المندوبين يجب أن يتم انتخابهم من قبل أعضاء الحزب (Poguntke, 1994: 190): «يحق للأعضاء الذين لم يتم انتخابهم أن يشاركوا هم أيضاً في اجتماعات المندوبين. لكن في حال وجود تصويت، فإن وزن هؤلاء الأعضاء من مجمل من يحق لهم الانتخاب يجب ألا يزيد عن خمسين» (ترجمة غير رسمية). ويحدد التشريع النيوزيلندي هو أيضاً أن على الأحزاب المتنافسة في الانتخابات العامة أن تختار مرشحيها بإجراء ديمقراطي. هنا أيضاً يسمح التشريع للأحزاب السياسية في إشراك أعضائها في سياق انتخاب المرشحين الداخلي انتخاباً مباشراً أو غير مباشر من خلال مندوبين منتخبين من اختيارها. «على كل حزب […] أن يتأكد من أن عملية اختيار مرشحيه إلى البرلمان ستسمح في المشاركة: (1) الأعضاء الذين سددوا الرسوم الحزبية؛ أو (2) المندوبين الذين تم تعيينهم أو انتخابهم (انتخاباً مباشراً أو غير مباشر) من قبل الأعضاء الذين سددوا الرسوم الحزبية؛ أو (3) من هؤلاء الأعضاء والمندوبين معاً» (New Zealand Electoral Act, section71).

هذه النماذج، كما قلنا، استثناء. اختارت أغلب الديمقراطيات عدم التدخل في عملية اختيار المرشحين الداخلية في الأحزاب وأن تترك لها القرار في تحديد طريقة الانتخاب المفضلة لديها، على الرغم من أن للعملية آثاراً بعيدة المدى على الجهاز السياسي.

آليات لتشجيع الديمقراطية داخل الحزب

وأخيراً، علينا النظر في اتخاذ تدابير لمكافأة الأحزاب التي تدار ديمقراطياً. ثمة سبيلان ممكنان لذلك، هما فرض عقوبات عن طريق سن قوانين تمكن من حظر الأحزاب التي ليس لديها ديمقراطية داخلية، أو صيغة مدونة قواعد سلوك. ومع ذلك كلا السبيلين إشكالي. السبيل الأول، حظر الأحزاب التي لا تقيم ديمقراطية داخلية هو إشكالي من ناحية عملية ومعيارية. وفيما يتعلق بالسبيل الثاني، فيجب الاعتراف بأن تأثير مدونة قواعد السلوك تأثيراً فعالاً يكاد لا يذكر. وكذلك أيضاً فإن أغلب مدونات قواعد السلوك تعمل في الميدان بين الأحزاب وليس في الميدان داخل الحزب، كي تتطرق إلى الديمقراطية داخل الحزب.

ثمة إمكانية أخرى لتحفيز الديمقراطية داخل الحزب بوساطة استخدام آلية المكافأة المالية. تمنح الدولة مآثر إضافية، في إطار تمويل الأحزاب، للأحزاب التي تنطبق عليها معايير الإدارة الديمقراطية داخلياً. آلية المكافأة هذه لا تفرض على الأحزاب إجراء انتخابات تمهيدية، لكنها تشجع، إلى حد ما على الأقل، على إجرائها، وذلك لتقول الدولة إنها تؤيد، من ناحية معيارية، الديمقراطية داخل الحزب([4]).

وبغية مكافأة الأحزاب على إقامة الديمقراطية داخلها يجب أن نوضح بداية أياً من الإجراءات هي ديمقراطية. هل هي مجرد انتخاب المرشحين والزعماء انتخاباً مباشراً من قبل أعضاء الحزب أم إنها تنطبق أيضاً على الانتخاب غير المباشر، عن طريق مؤسسات حزبية وسيطة (مركز، لجنة، مجلس)؟ ومن أجل ذلك علينا أن نقرر ما إذا كانت ثمة طريقة فضلى لانتخاب المرشحين والزعماء. تشير الأدبيات البحثية أن ليس ثمة طريقة مثلى. فثمة مزايا للهيئات الناخبة الشاملة، مثل أعضاء الحزب، بتعزيز المشاركة، وثمة مزايا للهيئات معتدلة الشمول (مؤسسات حزبية) بتعزيز التنافسية (راهت، 2006ب: 140). لذلك فإن من المنطقي السماح للأحزاب بالتحرك بمرونة في انتخاب مرشحيها وزعمائها، عدا عن تحمل أعضاء الحزب جزءاً ما من العملية. بعبارة أخرى، فإن الإجراءات التي يتم ذكرها فيما يأتي تعد، وفق رأينا، إجراءات ديمقراطية داخلية: (1) الانتخاب المباشر من قبل أعضاء الحزب (البرايمرز في شكلها المعروف)؛ (2) الانتخاب غير المباشر من قبل مؤسسات حزبية 80% من مندوبيها على الأقل قد تم انتخابهم من قبل أعضاء الحزب خلال السنوات الأربع الأخيرة؛ (3) أي جمع بين الطريقتين([5]).

تظهر دراسة آليات تنظيم الأحزاب في ديمقراطيات أخرى أن استخدام آليات ثواب كهذه نادرة جداً (International Institute for Democracy and Electoral Assistance [IDEA], 2009). والمثال الأوضح على استخدام كهذا هو في النروج، في الأعوام 1920-2002([6]). وبموجب هذا التنظيم تمول الدولة انتخاب الأحزاب التمهيدية في حال استوفت المعايير الآتية: إذا كان على مرشحي الحزب إلى البرلمان في مقاطعة معينة أن يتم انتخابهم عن طريق ممثلين من الوحدات الحزبية جميعها (الفروع الحزبية على سبيل المثال) في المقاطعة نفسها، من غير تدخل زعماء الحزب ومؤسساته الأخرى. إذا تم انتخاب الوحدات الحزبية من قبل أعضاء الحزب (من الوحدات نفسها)، الذين سددوا رسوم العضوية والذين هم بسن الانتخاب إلى البرلمان. طبقت الأحزاب في النرويج فعلاً هذه الإجراءات في أغلب الحالات، وحصلت على تمويل من الدولة، لكن المقاطعتين اللتين أرسلتا أكبر عدد من الممثلين إلى البرلمان أوسلو وأكيرشوس (Akershus)، فضلت الأحزاب فيهما، عموماً، التنازل عن التمويل وعينت مرشحين مخضرمين من جانب الحزب من غير إجراء انتخابات تمهيدية (Heidar and Saglie, 2003; Ashiagbor, 2008: 6-7). وضعت الآلية النرويجية مطالب مفصلة فيما يتصل بطابع الانتخابات التمهيدية أمام الأحزاب الراغبة في الحصول على تعويضات مالية، لكنها مكنت من وضع مطالب أقل، في حال شارك أعضاء الحزب على سبيل المثال، مشاركة ما، مباشرة أو غير مباشرة، في انتخاب مرشحي الحزب إلى البرلمان.

ثمة آلية مختلفة كلياً يتم اتباعها في الولايات المتحدة منذ عام 1976. يحق لكل مرشح وفقها شارك في الانتخابات التمهيدية في حزب ما تمهيداً للانتخابات الرئاسية الحصول على مبلغ مالي يعادل المبلغ الذي نجح في استثماره بنفسه من الحكومة الفيدرالية إذا استوفى شروطاً معينة. وبذلك يمكن للمرشح مضاعفة المبلغ الذي استثمره (تدعى هذه الآلية «matching»). ومن الشروط الواجب على المرشحين تنفيذها هي استثمار 5,000 دولار على الأقل في كل ولاية، في 20 ولاية على الأقل؛ الحد الأقصى الذي تطابقه الحكومة هو 250 دولار لكل مساهم؛ نفقات المرشح على الانتخابات التمهيدية مقيدة (The Federal Election Commission, 2008: chap. 96)([7]). المرشحون الذين لا يرغبون في أن تكون نفقاتهم الخاصة مقيدة يمكنهم أن يختاروا عدم قبول التمويل من الحكومة. تعوض هذه الآلية المرشحين تعويضاً مباشراً وتعوض الأحزاب التي تجري انتخابات داخلية تعويضاً غير مباشر – على عكس المرشحين المستقلين أو المرشحين من الأحزاب التي لا تجريها – ذلك أن المرشح يمثل الحزب في الانتخابات الرئاسية يحصل من الحكومة على المبلغ الذي يعلن عنه. الاختلاف عن الآلية النرويجية يكمن في هدفها، والذي لم يأت لتشجيع الديمقراطية داخل الحزب وإنما لزيادة الإشراف على تمويل الانتخابات وشفافيته. وبسبب إجراء الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري، انتخابات تمهيدية لمرشحيهم إلى الرئاسة، فإن الآلية تضر على وجه الخصوص الأحزاب الصغيرة والمرشحين المستقلين الذين لا يجرون انتخابات تمهيدية.

ملخص

تناولنا هنا عدة أسئلة أساس: ماهي الديمقراطية داخل الحزب؟ إلى أي حد هي متبعة في الديمقراطيات؟ هل هي مطلوبة؟ وهل على الدولة تشجيعها؟

ونحن لسنا مع فرض الديمقراطية الداخلية على الأحزاب لأنه، وفق رأينا، غزو لا يتناسب واستقلال الأحزاب ذاتياً. ولكن إلى جانب عدم التدخل هذا فإننا نعتقد أن على الدولة أن تدعم الأحزاب، التي تقيم ديمقراطية، من خلال الحوافز المالية. صيغة كهذه من التنظيم مقابل التعويض تخلق توازناً مناسباً وتسمح كذلك للأحزاب الديمقراطية أن تزدهر في الجهاز السياسي.

([1]) تم دحض هذه الذريعة جزئياً في الدراسة حول الديمقراطية الداخلية لدى الأحزاب الكبرى في ألمانيا. لم يزدد معدل الأعضاء في الأحزاب إثر الديمقراطية الداخلية لكن حجم نشاط الأعضاء القدامى ازداد. انظر: Scarrow, 1999.
([2]) مع ذلك فإن الحصص يمكن أن تكون مبررة إذا ما كانت مؤقتة، لأن هدفها عندئذ توفير نقطة بداية عادلة للمرشحين جميعهم. انظر: Hazan and Rahat, 2010: 172.
([3]) يكون التمويل الحكومي كبيراً خصوصاً في الديمقراطيات الجديدة في أوربة الشرقية لأن مهمة الأحزاب في بناء الديمقراطية الجديدة هناك أكبر، ولأن الأحزاب هناك، أغلبها، تفتقر تقريباً إلى الموارد الاقتصادية.
([4]) إلى جانب المكافأة المالية يمكن اقتراح آليات تعويض أخرى، منح المرشحين المتنافسين في الانتخابات التمهيدية مثلاً، فترة بث مجانية في الإذاعة والتلفزيون.
([5]) الانتخاب على مرحلتين، على سبيل المثال، يتم فيه انتخاب مندوبي المؤسسة الحزبية لائحة المرشحين (مرحلة الفرز الأولى) في المرحلة الأولى، وفي المرحلة الثانية يقوم أعضاء الحزب بترتيبهم. للاطلاع على تفاصيل انتخاب المرشحين على ثلاث مراحل انظر: راهت 2006ب: 143-144.
([6]) صدر عام 1920 قانون الترشيح Nomination Act الذي تم دمجه عام 1985 في قانون الانتخابات (Election Act).
([7]) يحظر عليه، على سبيل المثال، (وعلى عائلته القريبة) إنفاق أكثر من 50,000 دولار من أموالهم الخاصة لأغراض الحملة الانتخابية.
الإعلانات
التصنيفات :غير مصنف

نظام الانتخابات النسبي وعتبة الحسم القانونية

د. فؤاد سليم أبو زريق

 

الشرط الضروري لسير الديمقراطية التمثيليّة هو إجراء انتخابات عامة، يأذن فيها المواطنون لممثليهم في التصرف نيابة عنهم لفترة محدودة. وللانتخابات تأثير ملحوظ على طبيعة النظام السياسي، خاصة بسبب تقرير عدد الأحزاب وحجمها فيها. وتؤثر الانتخابات كذلك على تركيبة السلطة التشريعية الاجتماعية، وعلى سلوك الأعضاء المنتخبين لا سيّما بسبب رغبتهم في أن يعاد انتخابهم ثانية. تؤثر نتائج الانتخابات التي تنتهجها الأنظمة البرلمانية السائدة في أغلب الديمقراطيات القارّة على سيرورة تشكيل الحكومة، وعلى تركيبتها.

     يحدد النظام الانتخابي كيفية تمثيل المرشحين والأحزاب المتنافسة في الانتخابات أمام الناخبين؛ فمثلاً إذا كان التصويت للأحزاب فقط، أو كان يحتوي على عنصر شخصي. كما وتحدد كيف تترجم أصوات المواطنين إلى تمثيل؛ فيما إذا كان من فاز بالأغلبية يفوز بالتمثيل كاملاً على سبيل المثال أم إن التمثيل يوزع على الأحزاب بناء على نسبة التأييد النسبي لها. لقد وقف كثير من الباحثين، ومنذ فترة طويلة على أهميّة النظام الانتخابي (Duverger,1954;Rae,1967;Sartori,197) حتى إنهم ادّعوا أن النظام الانتخابي هو المؤسسة الأهم من بين المؤسسات السياسية (Schum peter,1942).

     نظام الانتخاب النسبي هو الطريقة الشائعة بين الدول الديمقراطية (Reynolds, Reilly, and Ellis, 2005)، المبدأ الأساس في نظام الانتخابات هذا هو أن تعكس نسبة المقاعد التي يفوز بها الحزب في المعركة الانتخابية نسبة الأصوات التي فاز بها في الانتخابات. وبعبارة أخرى، إن توزيع المقاعد في البرلمان وفق نظام الانتخابات النسبي يعكس ما يفضله الناخبون شريطة أن تجتاز الأحزاب المتنافسة حواجز الدخول المنصوص عنها في القانون (Lijphart,1994).

     لابد من الإشارة، بادئ ذي بدء، إلى إحدى مزايا النظام النسبي وهو مبدأ التقيّد الصارم بأساس النسبية الذي يوفر إمكانية حقيقية لمختلف الفئات الاجتماعية ولا سيما النساء والأقليات، للفوز بتمثيل في مجلس النوّاب (Rule, 1987; McAllister and Studlar,2002; Matland, 2006)([1]). ثمة مزية أخرى في النظام النسبي وهي إن نسبة الأصوات المهدورة – تلك التي ليس لها تمثيل في مجلس النواب – منخفضة جداً مقارنة بنظام الأغلبية الذي يتم وفقه طرح العديد من الأصوات في سلة المهملات. وعلاوة على ذلك، فإن نظام النسبية يساعد على بلورة قاعدة شرعية واسعة لجهاز السلطة ويشجع على سياسة الاحتواء والوسطية، وهو يناسب أساساً المجتمعات غير المتجانسة أو المجتمعات الممزقة. وبناء على ما قاله لايبهارت، فإن النظام النسبي هو عنصر أساس في الديمقراطية التوافقية، والدول التي اعتمدت هذا النظام تكون قادرة على ضمان وجود ديمقراطية مستقرة، حتى مع وجود انقسامات عرقية، واجتماعية ولغوية ودينية وثقافية عميقة (Lijphart, 1977,1994, 1999).

     ومن بين نقاط الضعف الأبرز في نظام التمثيل النسبي يمكننا أن نشير إلى إنه يميل إلى تشجيع التعددية الحزبية («المتطرفة» أحياناً)، مع عدد كبير من الأحزاب وبعد أيديولوجي وموضوعي واسع النطاق على وجه الخصوص. ونتيجة ذلك، تجد الأحزاب الفائزة، في الأنظمة البرلمانية، صعوبة في تشكيل ائتلاف إن لم تفز بأغلبية مطلقة من المقاعد، وفي المحافظة عليه على مر الزمن. وغالباً ما تكون عرضة لضغوط من المساومة يصعب معها الحكم، وخصوصاً عندما تكون الأحزاب الصغيرة لسان الميزان في تشكيل الائتلاف. ونتيجة ذلك كله، يحد النظام النسبي من القدرة على اتخاذ سياسة طويلة الأجل وتنفيذها على وجه الخصوص. ويرى البعض إن النظام النسبي يوفر أيضاً الأرض الخصبة لظهور التطرف والانقسام وتعزيزهما. وبعبارة أخرى، فإن النظام لا يعكس فقط مستوى الانقسام الموجود في المجتمع بل ويساعد على إنشائه أيضاً، مع سماحه للعوامل المتطرفة أو الانفصالية من أن تتجذر وتتقوى.

     يترافق النقاش العام الذي ينادي بإصلاح النظام الانتخابي على الأغلب مع الدعوة إلى رفع نسبة الحسم، والتي تسمى وفق المصطلحات المهنية بـ«عتبة الحسم القانونية» (legal threshold). ويجري الحديث عن آلية قانونية تكون وفقها القائمة الانتخابية المتنافسة في الانتخابات ولم تفز بنسبة محددة من الأصوات الصالحة، لا يحق لها تقاسم المقاعد في مجلس النواب. تم إنشاء هذه الآلية لتحقيق هدفين رئيسين. الأول، إيجاد عتبة سياسية في وجه الأحزاب الجديدة، وخصوصاً المتطرفة منها والتي من شأنها أن تهدد النظام. فقد اعتمدت في ألمانيا عتبة حسم قانونية عالية جداً، كمعطى من جمهورية فايمار، التي مكنت عتبة الحسم المنخفضة فيها الحزب النازي الذي كان ممثلاً في البرلمان، لسنوات من ممارسة نشاطه – قبل شق طريقها الانتخابي – بنسبة تأييد قليلة. الهدف الثاني والمتعلق بهذه الآلية هو تخفيض عدد الأحزاب في مجلس النواب بغية الحد من مستوى الانقسام المرتفع في الجهاز السياسي وبغية تعزيز القدرة على الحكم. بالمقابل، من المناسب أن ننتبه إلى الثمن الذي جلبه وجود هذه الآلية: إن عتبة الحسم القانونية تضر بالتعبير عن تفضيلات الناخبين وبأساس التمثيل. وكلما كانت أعلى كان الضرر أكبر في نسبية التمثيل.

     لا تتبع الدول جميعها عتبة حسم قانونية، وبدقة أكبر، بعض الدول، ومنها إيرلندا والبرتغال وفنلندا، قانون الانتخابات فيها لا يحوي عتبة حسم رسمياً. ولكن في تلك الدول، فضلاً عن البلدان التي استخدمت فيها العتبة القانونية، شكل التقسيم إلى دوائر انتخاب عتبة دخول تبادلية، والمعروفة في الأدبيات البحثية باسم «العتبة الفعّالة» (effective threshold)([2]). العتبة الفعالة هي الحد الأدنى من نسبة الأصوات المطلوبة للفوز بمقعد. بالمقارنة مع العتبة القانونية هذا هو المفهوم الأكثر تعقيداً والذي يمثل مجموعة واسعة من الخيارات اعتماداً على خصائص الجهاز المختلفة، مثل عدد ممثلي الدائرة الانتخابية (أو حجمها)، وعدد الأحزاب المتنافسة في الانتخابات وحجم مجلس النواب وصيغة توزيع المقاعد. بين هذه المتغيرات عرف تأثير كبير جداً لحجم الدائرة على العتبة الفعالة: فكلما كانت الدائرة أكبر كانت نسبة الأصوات المطلوبة للفوز بمقعد أصغر. ففي الدائرة ذات الـ 100 مقعد يكفي الفوز بنسبة 1% من الأصوات لضمان التمثيل في البرلمان. وفي الدائرة ذات الـ 10 مقاعد يكفي الفوز بنسبة 10% من الأصوات لضمان التمثيل، بينما الدائرة ذات المقعد الواحد فقط، تحتاج إلى أكثر من نصف أصوات الناخبين لضمان التمثيل في البرلمان.

     كما يدل الجدول الآتي، فإن ثمة عتبة قانونية تتراوح بين 0.67% و5%، في بعض الدول الديمقراطية التي تتبع النظام النسبي([3]). الدولتان اللتان فيهما العتبة القانونية الأخفض هما هولندا (0.67% من الأصوات) وقبرص (1.8% من الأصوات). بينما العتبة القانونية في الدانمارك هي 2% والدول  المتبقية العتبة القانونية فيها هي الأعلى: العتبة القانونية في إسبانيا تبلغ 3% على مستوى الدوائر الانتخابية (لا معنى لها تقريباً نظراً إلى إن العتبة الفعالة أعلى بكثير، على الأقل في الدائرتين الانتخابيتين الكبيرتين)؛ وفي بلجيكا هي 5% على مستوى الدوائر الانتخابية بعد إصلاحات عام 2003. وفي الدول التي تتبع أكثر من مستوى انتخاب واحد، من شأن عتبة الحسم أن تكون مسألة معقدة جداً. ففي النمسا على سبيل المثال يجب أن يحصل الحزب على 4% من الأصوات على الأقل على المستوى الوطني أو مقعد واحد على مستوى الدوائر. وفي السويد يحتاج الحزب إلى 4% من الأصوات على المستوى الوطني، وإذا لم يبلغ هذه العتبة عليه الفوز بـ 12% من الأصوات على الأقل في دائرة انتخابية واحدة. وفي جمهورية التشيك تتعلق عتبة الحسم بطابع القائمة المتنافسة في الانتخابات، فإذا كان الحزب مستقلاً، عليه أن يبلغ عتبة حسم مقدارها 5%؛ وإذا كان ائتلافاً من حزبين تكون عتبة الحسم 10%؛ وإذا كان ائتلافاً من ثلاثة أحزاب تكون عتبة الحسم 15%؛ أما إذا كان ائتلافاً من أربعة أحزاب فأكثر، فإن عتبة الحسم تكون عندئذ 20%. العتبة القانونية الأكثر إثارة للجدل هي في اليونان في الثمانينيات، فقد كان مطلوباً من الحزب أن يحصل على 17% من أصوات الناخبين للفوز بتمثيل، ثم أبطل بسبب التزوير الذي حصل في نتائج الانتخابات عام 1989 (Farrell, 2001: 82). ولاستكمال الصورة ينبغي أن نذكر الدول التي تعتمد عتبة قانونية، لكن النظام الانتخابي فيها يضع استثناءات. ففي بولندا على سبيل المثال، العتبة القانونية هي 5% للأحزاب (8% للتحالفات)، ولكن الأقليات في الدولة تستثنى من العتبة. كذلك الأمر في ألمانيا التي تعتمد النظام المختلط([4])، الأقليات القومية فيها غير ملزمة بالحصول على 5% من الأصوات لتشارك في تقاسم مقاعد البرلمان([5]).

 

 العتبة القانونية وعدد الأحزاب الفعال في بعض الديمقراطيات التي تتبع النظام النسبي

N.jpg

ملاحظات:
1. عتبة الحسم في كوستاريكا هي نصف حصة، الناتج من تقسيم الأصوات الصحيحة على عدد المقاعد المتاحة للتنافس عليها في الدائرة.
2. عتبة الحسم في قبرص للأحزاب 8% وللائتلافات 10%.
3. عتبة الحسم في النمسا هي 4% من الأصوات على المستوى الوطني، أو مقعد واحد على مستوى الدوائر الانتخابية.
4. انتقلت إيطاليا عام 2006 من النظام المختلط إلى النظام النسبي وفق صيغة هاير. عتبة الحسم 4%، للأحزاب المستقلة فقط. ولائتلاف الأحزاب 10%؛ وللحزب في الائتلاف 2%.
5. العتبة القانونية في السويد 4%، على المستوى الوطني أو 12% من الأصوات على مستوى الدائرة.
6. عتبة الحسم في جمهورية التشيك 5% فيما يتعلق بالأحزاب فقط؛ وهي 10% للائتلاف المكون من حزبين؛ و15% للائتلاف المكون من ثلاثة أحزاب؛ وهي 20% للائتلاف المكون من 4 أحزاب فأكثر.
7. العتبة القانونية في بولندا هي 5% للأحزاب و 8% للائتلافات، وتعفى الأقليات من عتبة الحسم.
8. تشير عتبة الحسم في إيسلندا إلى المقاعد التسعة الإضافية الممنوحة تعويضاً على مستوى البلاد.
المصدر: بالاعتماد على

:Gallagher, 2009; Elections Indices

http://www.tcd.ie/Political_Science/staff/michael_gallagher/EISystems/Docts/ElectionIndices.pdf; Inter-Parliamentary Union, 2012a

     وعموماً، فإن عتبة حسم عالية تكون مستحسنة مع الأحزاب الكبيرة، لكنها، في الوقت نفسه، قد تضر بنسبية التمثيل وبالتالي بشرعية النظام الانتخابي. ومن شأن عتبة حسم منخفضة أن تضمن التمثيل، لكنها، في الوقت نفسه، تفضي إلى جهاز حزبي مفكك، يصعب معه في الأنظمة البرلمانية تشكيل ائتلافات قارة، وترجمة تفضيلات الناخبين إلى قرارات سياسية، وقدرة على الحكم. ويظهر الجدولان 2.2 و2.3 فيما يلي محاكاة انتخابات الكنيست عام 2009 في حال كانت عتبات الحسم أعلى من 2% في قانون الانتخابات. تمكن هذه المحاكاة من الوقوف على تأثير ترجمة الأصوات إلى مقاعد (وهو ما يسمى في الأدبيات بـ «الأثر الميكانيكي» لنظام الانتخابات) وليس على سلوك الناخبين والسياسيين («التأثير النفسي» – كيفية تصويت الناخبين وكيفية تنظيم السياسيين مع علمهم بأن هذه هي قواعد اللعبة). ومن المقبول عموماً أن نفترض أنه من اللحظة التي يدرك فيها الناخبون تأثير عتبة الحسم الجديدة أن يصوتوا أكثر للأحزاب الكبيرة (التصويت الاستراتيجي)، إذا كان أول أفضلياتهم التصويت للحزب الذي تكون فرصه في اجتياز عتبة الحسم الجديدة منخفضة. ثمة سبب معقول للاعتقاد بأن الأحزاب الصغيرة أيضاً ستترابط فيما بينها وستشكل قائمة مشتركة بغية زيادة فرصها في اجتياز عتبة الحسم الجديدة.

     وعند الحديث عن إصلاح في نظام الانتخابات وآثاره يمكننا استحضار التجربة البلجيكية، فقد وافق أعضاء الائتلاف البلجيكي في إبريل نيسان 2002 على إصلاح نظام الانتخابات، ودخلت هذه الإصلاحات حيز التنفيذ في انتخابات 2003. تضمن الإصلاح تغييرين رئيسين: تحديد العتبة القانونية بـ5% على مستوى دوائر الانتخاب وتقليص عدد الدوائر الانتخابية من 20 إلى 11، على سبيل زيادة متمعنية في عدد الممثلين المنتخبين في كل دائرة([6]). يهدف رفع عتبة الحسم إلى وضع آلية للحد من انقسام الجهاز الحزبي في بلجيكا ولكن تقليص عدد الدوائر الانتخابية وزيادة حجمها يؤديان في الواقع إلى الحفاظ على مدى النسبية والانقسام (Hooghe, Noppe, and Maddens, 2003). هذه الإصلاحات المتضاربة تصعب من عملية تقويم أهداف الجهاز الحزبي عموماً وعدد الأحزاب خصوصاً.

     يظهر تحليل نتائج انتخابات عام 2003 أنها كانت انتخابات «عادية»، ولم تسجل، في هذا المفهوم تغييرات متمعنية في خارطة الأحزاب. وكانت نسبة الأصوات التي فاز بها كل حزب، الأحزاب الصغيرة على الغالب، مشابهة تماماً لنسبة الأصوات التي فاز بها في انتخابات 1999. وكان من الممكن عملياً الإشارة إلى تأثير رفع عتبة الحسم على 3 من أصل 150 مقعداً فقط، وأبقى إصلاح نظام الانتخابات مستوى النسبية والانقسام المرتفع بلا تغيير (المرجع السابق نفسه). ويدل تحليل نتائج انتخابات عام 2007 على غاية متداخلة: اتضح أن ثمة انخفاضاً معيناً في مقياس الأحزاب الفعال في الدوائر الانتخابية كلها (بمعدل0.7-)؛ هذا من جانب، بينما ارتفعت من جانب آخر نسبة المقاعد التي فازت بها الأحزاب الصغيرة ارتفاعاً ملحوظاً (5.2%) مقارنة مع انتخابات عام 2003.

     يمكن لانتخابات عام 2003 وعام 2007 أن تشكل منطلقاً جيداً لجهة تأثير تغيير نظام الانتخابات على الجهاز الحزبي على المدى القصير، ويبدو للوهلة الأولى أن لتحديد العتبة القانونية بـ5% ثمة قدرة على التغيير: تضررت الأحزاب الصغيرة التي دخلت انتخابات عام 2003 بسبب هذا الإجراء. لكن نتائج انتخابات عام 2007 تشير إلى إنه لم يتم الحديث بعدُ عن غاية متميزة. فعلى الرغم من تسجيل انخفاض ما في عدد الأحزاب الفعال في الدوائر الانتخابية، إلا إن نسبة تمثيل الأحزاب الصغيرة (بالمقاعد) ارتفعت. تضمنت عملية إصلاح النظام الانتخابي في الحالة البلجيكية اثنين من التدابير المتناقضة إلى حد ما، يوازن أحدهما الآخر. فتحديد العتبة القانونية من ناحية بـ 5% على مستوى دوائر الانتخاب، والذي من شأنه أن يقلل من عدد الأحزاب؛ وخفض عدد الدوائر الانتخابية من ناحية أخرى من 20 إلى 11، من شأنه أن يحافظ على التعددية الحزبية (أي أن تصوت الدوائر الكبيرة لصالح الأحزاب فالعتبة الفعالة أدنى). وصحيح أنه وحتى كتابة هذه السطور، ليس ثمة مؤشرات على وجود تأثير ماهوي لرفع نسبة الحسم في بلجيكا على الانقسام في البرلمان وعلى نسبية الانتخابات على ما يبدو فيما يتعلق بتقليص عدد الدوائر إلى النصف تقريباً وزيادة حجمها.

 

ملخص وتوصيات

عندما نعمد إلى مسألة وضع عتبة قانونية أو رفعها علينا تحقيق التوازن بين القيم المهمة والإشكالية: ضمان التمثيل من جهة، الأمر الذي يتطلب عتبة حسم منخفضة (مما يؤدي إلى جهاز حزبي ممزق)، والحفاظ على نجاعة السلطة وقدرتها على الحكم من جهة أخرى، والتي تتطلب عتبة حسم مرتفعة. عملية وضع عتبة قانونية أو رفعها رفعاً معتدلاً تقلل من عدد الأحزاب وتخفف قليلاً من التطرف، ومع ذلك لا تضر كثيراً بأساس التمثيل وخصوصاً بالأقليات. وكما يتضح من المحاكاة، فإن وضع عتبة حسم عالية قد يضر جذرياً بتمثيل الأقليات، إلى حد شطبهم من الخارطة الحزبية.

  • تشجع العتبة القانونية المعتدلة على وجود تحالفات بين الأحزاب قبل الانتخابات وبذلك تقلل من هدر الأصوات (على فرض أنه من اللحظة التي يستوعب فيها الجمهور هذا التغيير، فإنه سيصوت تصويتاً استراتيجياً). ويمكننا أن نفترض أيضاً أن تطالب هذه التحالفات بالتخفيف من المصالح الطائفية والتأكيد في برامجها خصوصاً على المصالح العامة والوطنية.
  • تقوي العتبة القانونية المعتدلة الأحزاب الكبيرة (كما تظهر المحاكاة)، وتسهل من عملية تشكيل الحكومة وتعزز قدرتها على الحكم.
  • تمكن العتبة القانونية المعتدلة من اختبار تأثيرات هذا التغيير نحو دراسة عمليات رفع إضافية مستقبلاً.

 ([1])إلا في حالات استثنائية تكون فيها عتبة الحسم القانونية مرتفعة جداً أو تكون فيها الدائرة الانتخابية صغيرة جداً.

 ([2])ثمة خلاف في الأدبيات المهنية بشأن التعريف العملاني لهذا المصطلح. لمزيد من التفاصيل، انظر: Gallagher,2005.

 ([3])عتبات الحسم المرتفعة متبعة في تركيا (10% من الأصوات) وفي روسيا بعد عام 2007 (7% من الأصوات)، وكلا البلدين ليسا مجالاً لدراستنا المقارنة لأنهما ليسا من الديمقراطيات الليبرالية.

 ([4])يجمع النظام الانتخابي المختلط بين نظامين انتخابيين مختلفين. قسم من المرشحين يتم انتخابهم وفق النظام الأكثري البسيط في دوائر أحادية التمثيل، وقسم من المرشحين يتم انتخابهم وفق نظام التمثيل النسبي في دوائر متعددة التمثيل.

 ([5])تشير المادة 6 (6) من قانون الانتخاب الألماني إلى إن توزيع المقاعد بين القوائم في الدولة يتم فقط على الأحزاب التي فازت بـ5% من الأصوات الصالحة أو التي فازت بـ3 دوائر أحادية التمثيل مع ذلك يشير قانون الانتخاب في المادة نفسها إلى إن الأحزاب التي تمثل أقليات قومية مستثناة من هذا الشرط.

([6]) تقرر أيضاً في الإصلاح عام 2002 إلغاء طريقة المنطقة الكبرى التي كانت متبعة حتى تلك الفترة بهدف التعويض على الأحزاب الصغيرة، فضلاً من تمكين الإشارة إلى بعض التفضيلات الشخصية (وليس تفضيلاً واحداً) في بطاقة الاقتراع.

التصنيفات :بحوث استراتيجية

  لكن.. لن أحارب أخوتي

د. فؤاد سليم أبو زريق

image

التشاحن بين الكتلتين الكبيرتين في الكيان الصهيوني يمد
موضوعاً لنشر حرب إعلامية مؤقتة، امتهنها محررون في الكيان الصهيوني، وما كان هذا الموضوع ليقدر على إخفاء الظاهرتين: ماهية الكيان ومكانة العرب فيه.‏قامت حركة مستقلة في صفوف العرب، لم تكن مستعدة لقبول أية إملاءات من أحد، سواء من (الحكومة الإسرائيلية) أو جهاز مخابراتها، طالبت بحل مشكلة الشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية. طالبت بمساواة إنسانية واستعادة ثروتها الغالية التي سلبت منها سنين طويلة.‏جرى في هذه الحركة، بعيد قيامها، نقاش حاد حول مسألة بالغة الأهمية. هل تقيم هذه الحركة قوة عربية منفردة، وتتواجد في الانتخابات تحت علم يهودي؛ أم تمدّ يدها إلى قوى يهودية تحمل فكراً مشابهاً إلى حد ما؟ الاحتمال الثاني هو الذي فاز وقامت اللائحة المتقدمة للسلام.‏ومنذ قيامها اضطرت اللائحة إلى عبور طريق مليئة بالحواجز؛ طالب وزير الحرب الصهيوني، بادئ الأمر، أن تكون هذه اللائحة غير قانونية، بناء على طلب من (شبك) [جهاز الأمن العام]، الذي حارب قيام أية قوة سياسية تشمل العرب في الكيان الصهيوني.‏لكن هل هناك قوى يهودية تحمل فكراً يطالب بالمساواة ويسعى إلى السلام الحقيقي؟ كان هذا التساؤل يمد موضوعاً لا نهاية له، من عوالق إدراكية حول مصداقية هذا الأمر، وبلغ الموضوع أشده عندما اقتنع العرب في الداخل بإمكانية تحقيق هذا الأمر.‏لتقوم صحيفة (دفار) بإعادة نشر قصيدة للشاعر الصهيوني (نتان الترمان) كانت نشرتها بتاريخ 4/7/1947 وأعادت نشرها في 30/6/1989.‏عنوان هذه القصيدة يفضح، بما لا يقبل الشك، عدم وجود نية حقيقية عند هؤلاء الذين يدعون أنهم مع السلام والمساواة من اليهود؛ إضافة إلى تسويغ قابلية الاختلاف بين الكتل اليهودية شرط أن لا يتطور إلى محاربة اليهود بعضهم بعضاً، وهنا قبول ضمني بالأعمال التي يمارسها المتطرفون من اليهود ضد العرب، وبرفض أي تذكير من العرب بضرورة العمل على كبح جماح المتطرفين ولو بالحوار، لتأتي القصيدة واضعة نهاية للموضوع الذي لا يختلف عليه اثنان من اليهود: لن أحارب أخوتي.‏
لن أحارب أخوتي‏
اللص الذي يواصل حملته دونما كابح‏
ويبصق على كل تدبير‏
من أفواه المسدسات‏
ويده السوداء تمتد فوقنا‏
هو أخي.‏-‏
لذلك‏
لن تزعجنا أعماله حتى لو استمرت‏
وعندما ينتهي من قتل رجل في الطريق‏
واجبنا أن نرى.. ونسكت.‏
أو، نقنعه بلطف.‏
لكن أن نمسكه من ذراعه،‏
حاشا لله.‏
إنه أخي، وبعبارة أخرى‏
هي هكذا:‏
هو مجرم، لكنه من أصل خاص‏
يقول رجال الدين: إنه ((ولد مشاغب))‏
إذا سمعت بماسح السكين بعد العمل..‏
مع أنه لا يوجد أي مستند في قانون إسرائيل‏
يدعو إلى محاباة العائلة.‏
لا مستند كهذا، للابن أو النصير!‏
ولا وصية لموسى من سيناء!‏
والويل لمن يفكر أن يزعجنا:‏
سأريه الجبروت –
لكن لن أحارب إخوتي!‏  

التصنيفات :غير مصنف

الاحتراق الذاتي SHC Spontaneous Human Combustion

د. فؤاد سليم أبو زريق

الاحتراق الذاتي

هو الاحتراق الذي يتم داخل جسم الإنسان الحي، وذلك بمعزل عن أي مصدر حراري أو إشعاعي خارجي، فهو يحدث ذاتياً.
النار، مهما كانت درجة حرارتها، قد تؤدي إلى حروق أو بثور تظهر على الجلد في حال كانت خارجية، ولكن حديثنا هنا هو عن نار مصدرها جسم الإنسان، لا يمكن إطفاؤها بالماء، أو بأي من مواد الإطفاء المعروفة؛ تحرق الجسد فقط ،أو بعضه، بما فيه من سوائل وعظام و… إلخ إلى درجة التفحم، خلال فترة زمنية لا تتجاوز عدة دقائق فقط!!؟؟
هذا يعني أن درجة الحرارة المنبعثة عن هذا الإحتراق تتجاوز 3000 درجة مئوية، نعم ثلاثة آلاف درجة مئوية!
قد يبدو هذا غير قابل للتصديق، للوهلة الأولى، وخصوصاً إذا علمنا أن قطع الأثاث المحيطة بالجسد المتفحم،جميعها، بقيت على حالها، ولم تتعرض لأي تأثير حراري، بل وحتى الكرسي الذي يجلس عليه الجسد المتفحم، أو السرير الذي يضطجع عليه..!!؟؟
يقف العلم، في الحقيقة، عاجزاً عن تفسير هذه الظاهرة، حيث سجلت أكثر من 200 حالة احتراق ذاتي خلال الـ 300 سنة الأخيرة.
-كان الاعتقاد السائد في القرن التاسع عشر هو إن ضحايا الاحتراق الذاتي هم من مدمني الخمور، ولكن هذا الاعتقاد تم تفنيده بالتجربة بعد لقح قطعة من اللحم مغموسة بالكحول، ولم تحترق بتلك الحرارة العالية التي ارتبطت بالاحتراق الذاتي؛
-لم تحدث حالة الاحتراق الذاتي لأي من الحيوانات أو الكائنات الحية الأخرى!!؟؟؛
-ثمة اعتقاد يقول بأن الدهون في جسم الإنسان هي المسؤولة عن هذا الاحتراق، كونها قابلة للاشتعال، وقد تم تفنيد هذا الاعتقاد أيضاً، ذلك إن الاحتراق الذاتي لا يصيب الأجسام المكتنزة دهناً فقط؛
-نظرية تصعيد الكهرباء الساكنة، حيث يعتقد إن إطلاق الكهرباء الساكنة، يمكنه أن يولد حرارة عالية تحدث احتراقاً ذاتياً،… ولكن ألا توجد كهرباء ساكنة في الكائنات الحية الأخرى كالحيوانات والنباتات مثلاً، فلماذا لا تصاب الحيوانات بالاحتراق الذاتي ؟؟!!؛
-يرى بعض العلماء إن السبب الحقيقي وراء الاحتراق الذاتي هو مجموعة متفجرة من المواد الكيماوية، تتشكل في الجهاز الهضمي هي المسؤولة عن الاحتراق الذاتي؛
-وذهب البعض إلى وجود إشعاعات ذرية مصدرها المواد المشعة في جسم الإنسان كالبوتاسيوم المشع، وهي بتأثيرها على الماء الثقيل الموجود في دهون الإنسان، تنشأ تفاعلات ذرية داخلية تجعل جسم الإنسان يتفحم كلياً خلال عدة دقائق فقط؛
-ثمة من أرجع هذه الحالة إلى طاقة الإنسان وقدرته على تحريك الأشياء من بعد، والتخاطر… الخ، تنفجر هذه الطاقة وتؤدي إلى الاحتراق الذاتي؛
-وثمة من يقول بأن عناصر الحياة … كالماء، الهواء ،النار، التراب… إلخ، هي المسؤولة عن هذا الاحتراق، وخاصة عند الصينيين القدماء، فعنصر النار مرتبط بالقلب، أي إنه عند الغضب ترتفع نار القلب وتزيد ضرباته مما يؤدي إلى توليد طاقة يمكنها أن تؤدي إلى الاحتراق الذاتي؛
-ومنهم من يعتقد بأن الجسد الأثيري بتفاعله مع الجسد المادي هو المسؤول عن هذه الظاهرة؛
-ويرجع البعض هذا الأمر إلى صلاحية استخدام جسم الإنسان وقوداً، يعطي حرارة أضعاف ما يعطيه الوقود العادي…؛
-ويرجع البعض حالة الاحتراق الذاتي إلى ما جاء في القرآن الكريم: “يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون” ( التحريم:6).
ومازالت أسباب هذه الظاهرة لغزاً حتى يوم الناس هذا!

image

التصنيفات :غير مصنف

تنظيم داعش يدافع عن أرض إسرائيل!

ترجمة: د. فؤاد سليم أبو زريق

الراب نير بن أرتسي في موعظته في ساحة السبت، إحدى وسائل الإعلام الحريدي في إسرائيل!

image

القدوس المبارك يضرب بيد داعش، كل دولة تريد انتزاع أجزاء من أرض إسرائيل، وتحاول المساس بالشعب اليهودي الذي يعيش في أرض إسرائيل!
هكذا يدافع بارئ العالم عن اليهود في أرض إسرائيل المقدسة!
أرسل ملك الملوك، القدوس تبارك، رب العالمين، أرسل الطوفان على الدنيا مرة، ومرة دمّر برج بابل، وجلب حروباً قاسية، بأنواعها، إضافة إلى أمور عديدة ليست بالبسيطة.
جاء، هذه المرة، القدوس تبارك بداعش وبالإسلام المتطرف وبحماس، إضافة إلى التنظيم المتطرف الجديد الذي قام الآن، على شاكلة داعش، لينبّه العالم أجمع أن يحذر المساس باليهود في أرض إسرائيل المقدسة؛ وأن يحذر إزعاج اليهود في دولتهم إسرائيل؛ وأن يحذر المساس بالأرض  المقدسة.
لقد أنزل القدوس المبارك بهذا العالم  ما يشغله.
ينتشر الدواعش جميعهم إضافة إلى المنظمات الإرهابية الأخرى، في أوربة والعالم. يطاردون الدول التي يعيشون فيها، ويجعلون منها عبرة لمن يعتبر. يدمرون الحياة اليومية فيها، منها ما ينشر في وسائل الإعلام ومنها ما لا ينشر! إنها إرادة القدوس تبارك! لأنه يريد ضرب أية دولة أو بلد يريد انتزاع جزء من أرض إسرائيل، والمساس بالشعب اليهودي الذي يعيش في أرض إسرائيل. هكذا يدافع بارئ العالم عن اليهود في أرض إسرائيل المقدسة!
اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل، يجب أن يكونوا أذكياء وأن يهاجروا، بسرعة، إلى أرض إسرائيل؛ فلا عيش لليهود بسلام خارج أرض إسرائيل. ستتم ملاحقتهم في كل مكان، وذلك بما لا يقل عن الكارثة التي مرت بهم قديماً.
وكّلوا بهم حراساً من أجل حمايتهم… سيبدل هؤلاء الحراس جلودهم، وسيخبرون عنهم، وسيبيعونهم للآخرين كي يقتلوهم، حتى إنهم هم، أنفسهم سيقومون بقتل اليهود، لأن إرادة بارئ العالم هي أن يأتي اليهود إلى أرض إسرائيل… ومن غالب القدوس تبارك غلبه!
أيها اليهود في الشتات! لا تقولوا إنه لم يتم تحذيركم والطلب إليكم العودة السريعة إلى إسرائيل!!
اليهود في أوكرانيا، جميعكم، عليكم الفرار من هناك بسرعة، وعليكم جلب اليتامى جميعاً من هناك إلى أرض إسرائيل! وعلى كل يهودي أن لا يوظف شيئاً في أوكرانيا – أموال ضائعة!
وعلى حكومة إسرائيل أن تبذل الجهود من أجل بناء مدن ومستوطنات في النقب وبسرعة!
الاقتصاد الإسرائيلي هو الاقتصاد الأفضل في العالم. المصانع والوظائف متوفرة للمهاجرين الجدد الذين يأتون إلى إسرائيل. صحيح إن من الصعب أن يهجر المرء مكان إقامته، إلا إن حياته، في نهاية المطاف، أغلى، بما لا يقاس، من المال ومن المنازل.
دولة إسرائيل هي الأقوى في العالم، لأن بارئ العالم يحميها. إنها دولة إسرائيل بيت يهود العالم كلهم. فلا تستكينوا يا يهود الشتات، وتقولوا بأن ‘هذا لن يحدث لنا’!.
داعش والعصابات الإرهابية كلها، على اختلاف أنواعها في العالم، تهدف إلى تفكيك أوربة كلها، والولايات المتحدة، ودول العالم جميعها إلا دولة إسرائيل، فالقدوس تبارك يوجهها إلى حيث يجب أن تكون.
فمن الممكن أن يقوم، فجأة، مليون شخص من أي من دول العالم بالانضمام إلى داعش. الدواعش أوباش ويتكاثرون تكاثراً مخيفاً، ألف منهم يجلب مئة ألف، وليس لديه ما يخسره، فهو أشبه بهواية، ومدعاة فخر للمسلمين المتطرفين. ليس من الممكن القضاء على داعش، فكل مرة يأتي الجديد.  لهذا السبب يجب على يهود الشتات الهجرة إلى أرض إسرائيل.
ستتعامل دول العالم، كل دولة مع مشاكلها، وستبقى بعيدة عن أرض إسرائيل.
سورية لن تكون سورية أبداً، يحارب بعضها بعضاً، وتتدمّر يوماً بعد يوم، وكل يوم يأتي عليها يكون أسوأ من سابقه. اللاجئون ينتشرون في الأردن وتركيا وفي العالم كله.
العراق ستستمر الصراعات فيها وستفقد الاتجاه.
حزب الله و نصر الله، في كل مرة يهدد، يقول هراءً، ثم يعود إلى مخبأه، ولا يجد من يمد له يداً.
الموساد، والأمن العام وجيش الدفاع، كلها، تواصل رصد تحركات إيران تجاه سورية، ومنها تجاه حزب الله ونصر الله، وهدفهما هو الحصول على السلاح الكيماوي الأكثر تطوراً من مواقع التخزين السورية، فلديها عشرات الآلاف من الصواريخ الكيماوية التي يصل مداها إلى خمسمائة وستمائة كيلومتر، تلك التي لم تصل لها يد الأمم المتحدة. يريد نصر الله أن يسرقها، كي يكون لديه ما يهدد به إسرائيل من جهة لبنان.
حماس في قطاع غزة، وجدت ‘براءة اختراع’ لمقاضاة إسرائيل أمام المحكمة الدولية ليقيموا  لهم دولة، وأخذوا يعلمونهم كيف يتحدثون في المحكمة الدولية.
على البعض في اليسار الإسرائيلي أن يستيقظ، ويعرف أن مكانه هو مع دولة إسرائيل وليس مع الدول العربية.
أبو مازن  يسخر من الجميع ويواصل الخداع والكيد والكذب. إنه يفعل ذلك كي تسمح له حماس والجهاد بأن يكون زعيماً، ولأنه يخاف من حماس أن تقتله.
في الضفة الشرقية وفي القدس، علينا الحذر وإبقاء أعيننا مفتوحة، فثمة مؤامرات تسعى إلى النيل من اليهود.
مصر، إذا لم تفرض سيطرتها، فإن داعش وحماس سيقضيان عليها. لذلك على السيسي وحكومته أن يقضوا على حماس و داعش بسرعة، وعندئذ، قد لا تسقط مصر كما سقطت سورية.
تركيا، من المستحيل أن نسميها، بعد اليوم تركيا! علينا أن نسميها دولة داعش أو حماس. فداعش تستولي على الأماكن الرئيسة كلها في تركيا وتسيطر عليها. و أردوغان، من خوفه من داعش، يتحدث عنهم بالجيد فقط.
إيران تواصل العمل على برنامجها النووي بهدوء، وتستمر في تخوفها من دولة إسرائيل، لأنها تعرف من هم اليهود، وتعرف أن القدوس تبارك، هو من يحميهم. الولايات المتحدة تتزلف لإيران كي لا تذهب [إيران] إلى روسيا.
عناصر الطبيعة كلها: النار والماء والريح والتراب والزلازل، ستثور في العالم أجمع وبكثرة، بينما،في أرض إسرائيل المقدسة، لن يحدث شيء، وسيكون كل شيء على ما يرام.
الانتخابات في إسرائيل عار، عار عظيم على شعب إسرائيل. فكل ساعتين يتغير النواب والأحزاب. يختلفون، فيما بينهم، ويتجادلون. لقد آن الأوان أن يكونوا جدّيّين. عليهم أن يكونوا مسؤولين عن دولة إسرائيل والتعاطي مع الانتخابات بجدّيّة وبمسؤولية.
الشيوخ، الذين هم من أعضاء الكنيست القدماء-هم من يجب انتخابهم، وليس الشبان الذين تنقصهم الخبرة.
يقول اليهود: “العام القادم في القدس العامرة”، ويقول العرب الشيء نفسه، لا قدر الله، كل العرب. حلم كل عربي هو تدمير اليهود وإقامة دولة فلسطينية لا سمح الله.
يجب إقامة البلدات والمدن على التوازي، وذلك من بئر السبع إلى إيلات، لأن جزءاً كبيراً من العرب يستولون على أراض[منها] ويقيمون فيها. يجب قيام هيئة جديدة وعمل ترتيب في الأرض المقدسة، بحيث لا يقوم أي تجمع عربي، في أية هضبة في النقب دون تصاريح!
النقب هو أفضل مكان للعيش فيه، وليس، من اللازم، التجمع في وسط البلاد. كما إن الجو في النقب صحّيّ لجسم الإنسان ويساعد في إطالة عمره.
المرتشون واللصوص كلهم مكشوفون. بارئ العالم رفع السجادة، وسوف يكنسهم جميعاً، أولئك الذين يسيرون ضد الوصايا العشر، و لا يقيمونها؛ فإذا لم يعمل اليهود بالوصايا العشر، لا قدّر الله – ما الفرق، إذن، بينهم وبين الغوييم؟!
الوصايا العشر تميز اليهود من الغوييم [غير اليهود].
عالم الخلاص والمخلص هو العالم الحديث.
والعالم الذي يقال عنه اليوم بأنه حديث، هو عالم متخلف، لأنه لو كان ثمة أشخاص أذكياء فيه، و يمتلكون المعرفة والحكمة، لأدركوا أن ثمة مدبّر للعالم. فقط، من لديه الحكمة والمعرفة، يدرك أن ثمة مدبّر للعالم، وأن ثمة خلاص ومخلص، يوشك أن يملك. ولكن ثمة من يخشى الحديث عن الخلاص والمخلّص، كي لا يقال عنهم إنهم متخلفون لا سمح الله.
العار على كل من يفكر أن من يقول بالخلاص والمخلص، متخلف ومأفون – الدلائل كلها موجودة في الكتب المقدسة، في الزوهار المقدس وفي الكبالاه.
فقد قال الراب كهانا: “قال القدوس تبارك: نظرتم توراتي ولم تنتظروا مُلكي”. فالأساس الراسخ هو الإيمان بمجيء المخلص، وعندئذ سيملك الأرض، وسيعرفه الجميع. ونحن ملتزمون، حتى لو تأخر، بالانتظار والترقب والدعاء – متى تملك صهيون (‘رغبة الحياة’ – التوراة).

التصنيفات :غير مصنف

الحياة بعد الولادة

الحياة بعد الولادة

د. فؤاد سليم أبو زريق

مسرحية من مشهد واحد مستوحاة من قصة شفاهية قديمة تقول بأن أحد التوأمين بكى أخاه المولود قبله ظناً منه أنه مات!

تفتح الستارة على توأمين في الرّحم، يسبحان في ماء السّلى داخل غلاف متين مرن، ومعلقين كلٌ بحبله السُّرّيّ إلى كتلة لحمية أعلى الرحم سقف المسكن.

-قل لي: هل تؤمن بالحياة بعد الولادة؟

-طبعاً! فبعد الولادة تأتي الحياة… ولعلّنا هنا استعداداً لما بعد الولادة…

-هل فقدت صوابك؟! بعد الولادة ليس ثمّة شيء! فلم يعد أحد من هناك ليكلّمنا عما جرى عليه! ثمّ هَبْ أن ثمّة حياة، ماذا عساها تشبه!؟

-لا أدري بالضبط! لكنّي أحدس أن ثمّة أضواءً في كل مكان… ربما نمشي على أقدامنا هناك، و ربما نأكل بأفواهنا…

-ما أحمقك! المشي غير ممكن بهاتين الساقين الرخوتين! وكيف لنا أن نأكل بهذا الفم المضحك؟! ألا ترى الحبل السُّرّي؟! فكّر في الأمر قليلاً: الحياة ما بعد الولادة غير ممكنة لأن الحبل أقصر من أن يسمح بها.

-صحيح، لكنّني أحسب أن هناك شيئاً ما، إنّما مختلف عمّا نسميه الحياة داخل الرحم.

-أنت أحمق فعلاً! الولادة نهاية الحياة… بعدها ينتهي كل شيء.

-على رِسْلك… لا أدري بالضبط ماذا سيحدث، لكنّ الأم ستساعدنا…

-الأم؟! وهل تؤمن بالأم أيضاً؟!

-أجل.

-ربما أنت معتوه أيضاً! هل سبق لك أن رأيت الأم في أي مكان!؟ هل سبق لأحد أن رآها؟!

-لا أدري… لكنها تحيط بنا من كل صوب. نحن نحيا في باطنها، والأكيد أننا موجودان بفضل منها.

-دعك من هذه الترهات، ولا تصدّع رأسي بها! لن أؤمن بالأم إلا إذا رأيتها رأي العين!

-ليس بمقدورك أن تراها، لكنّك إذا صمتّ، وأرهفت السمع، تستطيع أن تسمع أغنيتها، تستطيع أن تشعر بمحبتها.. إذا صمتّ وأرهفت السمع، لا بد أن تدغدغ رَحْمَتُها قلبكَ!

ستار

FB_IMG_1419741053315

التصنيفات :غير مصنف

  واقع الترجمة في سورية

واقع الترجمة في سورية

فؤاد سليم أبو زريق

عند محاولتنا مقاربة مفهوم واقع الترجمة في سورية مثلاً توصيفاً دقيقاً فإننا نقع في شراك الاجتزاء على أكثر من منحى:

ـ اجتزاء في المفهوم (واقع): ذلك أن الحديث عن ترجمة يقوم بها مترجمون أو مؤسسات في بلد ما يبقى رهناً برؤية هذا المترجم أو ذاك، وكذلك برؤية هذه المؤسسة أو تلك، لأن الحديث عن واقع يعني، فيما يعنيه، ما تم إنجازه في إطار الترجمة على أنه عمل منته، فيه يكمن سرّه، وبعبارة أخرى: تمثل الترجمة، والحال هذه، عملاً منجزاً كون الترجمة قد وقعت بالفعل، وبالتالي فإننا ننجرّ إلى الحديث عن واقعة، وليس عن إسهام في إطار (واقع).

كما إن الاهتمامات تفرض، إضافة إلى السياسات، نماذج يقوم بانتقائها أشخاص، إما لإعجابهم بها وإما كونها تملأ جانباً من جوانب الحياة الثقافية، كونها تستجيب لروح العصر، أو لإثارة إشكالية ما بغية قول رؤى أفرزتها مجتمعات أخرى، أو قل تجارب في إطار إنساني، مع ما يتعالق فيها من اهتمامات فكرية وتكوين قيمي وفكري، واصطفائية على معيار أو سيطرة معمّاة، ديدنها التراكمية.

كما ويمكن أن تقوم مؤسسات ثقافية أو غير ثقافية بانتقاء أعمال ما كونها تستجيب لسياسات هذه المؤسسة أو رؤاها أو ما ترغب في ترويجه، وذلك دعماً لإسهاماتها أو بغية تهيئة المجتمع لقبول معايير ليست بالضرورة أن تكون سائدة في مجتمعنا.

ـ اجتزاء في المفهوم (ترجمة): إذ إن الحديث عن الترجمة يجب أن لا يقتصر على موضوعة الترجمة إلى العربية، كونها مستقراً أو قل مصباً بل ومنها على أنها منطلق أو منبع أيضاً وقد يكون بين الموضوعتين نواقل أو قل وسائط كأن تترجم عن لغة وسيطة مثلاً، وبذلك يشكل المصب منبعاً جديداً، أو قل المستقر منطلقاً جديداً هو الآخر، مما قد يشوه، المنبع الأول أو المنطلق الأول، كأن يدخل في نهرها سواقي أخرى تؤثر إلى حد ما في مذاقها عند المتلقي فيما لو عرفها في سواها.

ـ اجتزاء على الاجتزاء: واقعات الترجمة في سورية، على سبيل المثال، لا يمكننا الحديث عن الترجمة إلى (اللغة السورية) أو منها جدلاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يجري الحديث مطلقاً عن لغة سورية، أثناء الحديث عن ترجمة في سورية، بل عن العربية، والفصيحة تحديداً، وإن كانت ثمة ترجمات إلى المحكية في بعض الحالات.

يجري الحديث إذن عن العربية غير القارّة في مكان أو قطر أو إقليم، سواء كان مصباً أو منبعاً هذا من جانب، وحتى إذا كان الحديث يجري عن مترجمين سوريين يقومون بالترجمة إلى العربية عن لغات أخرى، ويتم نشرها في سورية، فالاجتزاء قائم أيضاً، ذلك أنه قد يقوم بالترجمة مترجمون سوريون ولا يتم النشر في سورية والعكس صحيح؛ فقد يقوم مترجمون غير سوريين بالترجمة وينشرون ترجماتهم في سورية كذلك. إذن، نحن أمام إشكالية في مفهوم الترجمة واقعاً ومفهوماً.

معوقات حركة الترجمة:

إن معوقات في حركة الترجمة متعلقة تعلقاً وثيقاً بمعوقات من نوع آخر، اقتصادية كانت أم فكرية، ثقافية أم أيديولوجية، أو اجتماعية، ولكل منها ما يميزها من غيرها، وقد تتحالف جميعها في إبراز معوقات جديدة، وقد تؤدي إحداها إلى الأخرى في سلسلة تبدو غير منتهية وتختلف من قطر إلى آخر، ومن مكان إلى آخر منها:

ـ الرقابة ـ المعيارية ـ الانتقائية ـ هيمنة دور النشر ـ الحالة الاقتصادية ـ الأيديولوجيا.. وغيرها إضافة إلى إشكالية المصطلح وتوحيده، عدم التعمق في فهم الأسلوب المراد الترجمة عنه ـ عدم الإمساك بالنص الأصلي ومراعاة منطقية الفكرة ـ عدم القدرة على الانتقال من مفهوم الترجمة كعمل إلى مفهوم الترجمة كفعل.. وما يترتب على ذلك من قدرات تتفاوت بين مترجم وآخر من جانب، وبينها وبين الترجمة الحاسوبية إن صحّت العبارة، من جانب ثان.. وهكذا..

من يدعم حركة الترجمة:

ليست المعيارية عندي هي من يدعم حركة الترجمة فقط بل كيف ندعمها، كل من موقعه متلقياً كان أم مترجماً؛ ناشراً أم مؤسسات.. وهكذا.. وإذا كان من دعم لحركة الترجمة فهو منوط بالانفتاح والحرية وتذليل ما يعيق حركة الترجمة كسطوة الرقابة التي تمارسها مؤسسات اتخذت من نفسها رقيباً.. وما إلى ذلك…

دور المؤسسات الحكومية في دعم حركة الترجمة

ـ تحتاج المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، إضافة إلى المؤسسات الاجتماعية إلى تطوير كوادر ثقافية قادرة على إقامة حوار متكافئ مع الثقافات الأخرى.

ـ تحقيق الحرية الفردية بما يؤدي إلى حرية ثقافية، فلا حرية ثقافية لأي جماعة في غياب من حرية أفرادها، إذ إن حرمان الإنسان من حقوقه سيكبل حرية المجتمع ويصبح عاجزاً عن التصدي للغزو الثقافي.

ـ توفير الدعم المادي والمعنوي للمترجم بعيداً عن سطوة الأيديولوجيا والشعارات.

ـ العمل حثيثاً على فهم آلية (تمنطق) اللغات الذي بات خطوة ضرورية حتى تدين معالجتها بوساطة نظم الذكاء الصناعي وآلات استنتاجها المنطقي.

ـ فتح المجال لمفهوم المشاركة وذلك للتخلص من نزعات التعصب والعنف، واكتشاف الآخر من خلال اكتشاف الذات بما ينطوي ذلك على تعليم اللغات الأجنبية لنقل أفكارنا المتسامحة إلى الآخرين.. وتذليل عوائق فهمنا الآخر.

ـ تنمية مهارات الحوار ومحاولة القضاء على مفهوم التلقي السلبي في مجتمعنا.

ـ المساهمة في بناء بنوك المصطلحات.

ـ توفير نظم الدعم، وتوفير المعاجم والقواميس وقوائم المترادفات والصيغ المسكوكة والمسارد والمكانز وقواعد ذخائر النصوص.

ـ العمل على استخدام قواعد بيانات معجمية لتوحيد المصطلحات.

ـ استخدام وسائل التحليل اللغوي لصياغة المفردات في هيئة من السمات الدلالية وغيرها…

مستقبل الترجمة:

في عصر النهايات كنهاية المسافة ونهاية التاريخ ونهاية المدينة ونهاية المؤلف.. إلى المابعديات، كـ ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية وما بعد الكتابة وما بعد الرمز.. إلى المنفيات بلا كمكاتب بلا جدران ووطن بلا مواطنين، وموظفين بلا مكاتب ورواية بلا نهاية وسياسة بلا نواب.. أنتظر معكم ، ولكن بنوع من الحذر مصطلح ترجمة بلا مترجمين، وتقتصر عندئذ مهمة (المترجم) إن وجد على الاختيار أو التنطّح لترجمة بعض النصوص المغرقة في الأدبية أو الماورائية…

التصنيفات :في الترجمة