الرئيسية > غير مصنف > الديمقراطية الحزبية

الديمقراطية الحزبية

د. فؤاد سليم أبو زريق

نرى أن هذه القضية محورية، فتأثيرها لا يقتصر على سلوك الأحزاب الداخلي فقط، بل تؤثر كذلك على طابع الجهاز السياسي برمته.

الديمقراطية الداخلية في الأحزاب: النظرية والممارسة

للمصطلح «حزب ديمقراطي» ثلاثة مفاهيم. أولاً، إنه الاسم غير الرسمي لعدد لا بأس به من الأحزاب في الولايات المتحدة وإيطاليا واليابان وأستراليا ودول أخرى. ثانياً، يعرف المصطلح الحزب العامل في جهاز سياسي تنافسي وحر بأنه حزب ديمقراطي. ثالثاً يمكن تضييق المصطلح إلى أحزاب تقيم جهازاً داخلياً ديمقراطياً. وسوف نركز على المفهوم الثالث الذي يتعلق بالإجراءات الديمقراطية في ميدان الحزب الداخلي.

يمكننا، هنا أيضاً، أن نعتمد تعريفاً مختصراً أو موسعاً. ومن الممكن التطرق في السياق الحزبي الداخلي إلى أربعة مبادئ ديمقراطية رئيسة: المشاركة والتنافس والتمثيل والاستجابة. تحوي الديمقراطية الحزبية الداخلية، بتعريفها الضيق المبدئين الأولين، المشاركة والتنافس. والحزب الذي يشترك أعضاؤه باختيار زعيمه ومرشحيه إلى البرلمان هو الحزب الذي يقيم ديمقراطية حزبية داخلية. ثمة طرق أخرى يمكن لأعضاء الحزب معها أن يتدخلوا في اختيار مرشحيه: طرق «مباشرة» مثل البرايمرز، وطرق «غير مباشرة» مثل انتخاب أعضاء مركز الحزب، الذين يختارون بدورهم، فيما بعد، الزعيم أو المرشحين. التعريف الضيق يمكن معه أيضاً أن نميز نظام انتخاب المؤسسات الحزبية وتصويت مجمل الناخبين على موضوعات أيديولوجية جوهرية (Scarrow, 1999).

تشمل الديمقراطية الحزبية الداخلية بتعريفها الواسع مبادئ الديمقراطية الأربعة الرئيسة كلها وبالتالي تستوجب  عدداً من المطالب: مشاركة أعضاء الحزب في اختيار مرشحيه وزعيمه؛ إمكانية عزل زعيم الحزب؛ تمثيل الأقليات تمثيلاً عادلاً ونسبياً؛ القدرة على التأثير في برنامج الحزب وجدول أعماله؛ حماية حقوق أعضاء الحزب الأساسية، بما في ذلك عدم إبعاد العضو إلا من خلال إجراء داخلي صحيح؛ الشفافية وحق الوصول إلى المعلومات، بما فيها معلومات عن وضع الحزب المالي ورصيده؛ حرية التعبير وحرية تشكيل روابط (مجموعات) داخل الحزب؛ الحق في الاستئناف أمام المحاكم في حال الإضرار بالديمقراطية داخل الحزب؛ واتخاذ القرارات بناء على قرار الأغلبية في مؤسسات الحزب جميعها (Marzel، 2006: 61). ونحن نرى في هذا الباب أن الحزب يقيم ديمقراطية داخله إذا كان لأعضائه تأثير مباشر أو غير مباشر على واحدة على الأقل من هاتين العمليتين الداخليتين: اختيار مرشحي الحزب للانتخابات البرلمانية واختيار زعيم الحزب.

تسمية المرشحين للانتخابات البرلمانية هي إحدى العمليات المركزية المنوطة بالأحزاب الحديثة. فتسمية المرشحين، بمفهوم معين، هو «انتخاب قبل انتخاب» (Rahat, 2007a)، ولذلك ثمة أهمية في السياق الديمقراطي للطرق التي يتم وفقها تحديد قوائم المرشحين، فمن شأنها أن تؤثر على المشاركة وعلى التنافس وعلى التمثيل وعلى التماسك الحزبي وعلى سلوك المشرعين. والآثار المترتبة على طرق تحديد المرشحين في الميدان الحزبي الداخلي قد لا تقل في بعض الحالات عن الآثار المترتبة على الانتخابات العامة في ميدان الأحزاب.

الديمقراطية الداخلية ما لها وما عليها

أثيرت العديد من الذرائع في الأدبيات البحثية حول فضل الديمقراطية الحزبية الداخلية (Ranney, 1954; Ware, 1979; Teorell,1999). تعتقد الذريعة الأولى أنه لما كانت الأحزاب في الديمقراطيات الحديثة جزءاً لا يتجزأ من جهاز السلطة كله، وبما أن طابع جهاز السلطة هو طابع ديمقراطي، فإن الأحزاب كذلك يجب أن تحوي ديمقراطية داخلية. ووفقاً لهذه الذريعة يجب أن تكون ثمة علاقة وثيقة بين الديمقراطية الداخلية والديمقراطية الخارجية. غياب الديمقراطية الداخلية قد يضر، على المدى الطويل، بالديمقراطية الخارجية أيضاً، إثر الإضرار بالثقافة السياسية الديمقراطية على سبيل المثال. مقابل ذلك، يمكن للديمقراطية الداخلية أن تكون عوناً في استيعاب القواعد الديمقراطية، خصوصاً من قبل الأحزاب التي تفتقر إلى الثقافة السياسية الديمقراطية (أبنون، 1993: 53؛ مارزل، 2006: 62).

وبناء على ذريعة أخرى، تسهم الديمقراطية الحزبية الداخلية في تعزيز شرعية النظام الديمقراطي، ذلك أن الناخبين يشعرون أن تأثيرهم على السلطة – من خلال تأثيرهم على الأحزاب – أكبر من التأثير الذي يجدونه لدى التصويت في الانتخابات العامة كل بضع سنوات. لذلك فإن الديمقراطية الحزبية الداخلية قد تزيد من نشاط المواطنين السياسي في الأحزاب ومن عدد أعضاء الأحزاب. هذه الفوائد ذات أهمية خصوصاً في ضوء الاغتراب السياسي المتزايد والانخفاض الحاد في نشاط المواطنين الحزبي (Scarrow, 1999: 347)([1]).

الديمقراطية الداخلية ضرورية من أجل مهمتي الأحزاب الرئيستين – تجميع المصالح وتمثيلها. وبلا ديمقراطية حزبية داخلية فإن الجماعات والأيديولوجيات على اختلاف أنواعها التي على الحزب تمثيلها لن تكون قادرة على التعبير عن صوتها وعن موقفها تعبيراً صحيحاً داخل الحزب، ولن يكون الحزب قادراً على جمع مصالحها أو التعبير عنها (مارزل، 2006: 62). وضع كهذا يؤدي إلى تسلط قيادة الأحزاب. أضف إلى إنها ستجمد مكاسبها، ولن تستجيب للتحديات الجديدة، ولن تتمكن من التغير تبعاً للظروف ولن تقدم قادة آخرين. وأخيراً، تزيد الديمقراطية الداخلية كذلك من مستوى مسؤولية قيادة الحزب أمام ممثلي الجمهور المبتدئين («الجالسين في المقاعد الخلفية»)، والنشطاء والأعضاء في الحزب، لأنها تمنح الطبقات الدنيا من الهيكل الحزبي أدوات تكون قادرة معها على انتقاد قيادة الحزب والإشراف عليها.

مع ذلك فإن الأدبيات البحثية لديها تقليد طويل لا يرى بوجود الديمقراطية على المستوى الحزبي الداخلي قيمة حيوية. إحدى المقولات التي كثيراً ما تم اقتباسها في هذا المجال منذ عام 1942، هي إن من المهم أن توجد الديمقراطية في التنافس بين الأحزاب لا في داخلها (Schattschneider, 1942: 60). بعبارة أخرى، ممكن للأحزاب أن تكون أوليغارشية في بنيها الداخلية، ولن يضر هذا مطلقاً بحيوية النظام السياسي العاملة فيه، مادامت مبادئ الديمقراطية الأساس يتم المحافظة عليها في الميدان بين الأحزاب (Sartori, 1965: 124; Dahl, 1970: 5; Sartori, 1987: 152). ونظراً إلى إن الأحزاب تتنافس فيما بينها على أصوات الناخبين، فعليها أن تكون مسؤولة أمام ناخبيها لا أمام أعضائها. بالتالي فإن الديمقراطية الداخلية ليست ضرورية. ويقول موريس ديفورجيه إن فعالية الأحزاب التي لديها ديمقراطية داخلية تكون محدودة (Duverger, 1954: 134). وإذا ما كانت الأحزاب العاملة في الجهاز السياسي الواحد، بعضها استبدادي والآخر ديمقراطي، فإن الأخير سيكون في وضع غير مؤات في الصراعات السياسية والانتخابية.

قد تزيد الديمقراطية الداخلية من تبعية ممثلي الحزب لوسائل الإعلام ولأصحاب رأس المال وتقلل من خلال ذلك من تبعيتهم (ومن ثقتهم) لزعيم الحزب ومؤسساته. وقد تضر باستقلالية القيادة الحزبية وتؤدي إلى قيام علاقة بين ممثلي الجمهور ومقاولي الأصوات، وجماعات الضغط وأصحاب رأس المال إلى الفساد (مارزل، 2006: 62-66؛Ranney, 1954: 156; Rahat and Hazan, 2001: 313-314). قد تضر بعد ذلك بالتماسك الداخلي وبقدرة الحزب على بلورة خط أيديولوجي. أضف إلى ذلك فإن التبعية لأعضاء الحزب ووسائل الإعلام تزيد من الشخصنة في السياسة وترغم أعضاء البرلمان على تكريس مزيد من الوقت بسبب تقديم مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة الحزبية. وقد تؤدي الديمقراطية الداخلية أيضاً إلى اتخاذ أعضاء البرلمان إجراءات شعبوية أحياناً للفوز بتغطية إعلامية. كل هذا قد يضر بعمل البرلمان والحكومة، بسبب كثرة مشاريع القوانين الخاصة على سبيل المثال.

قد تؤدي الديمقراطية الداخلية بلا تنظيم وكبح كافيين إلى المساس كذلك بنوعية المشاركة، بسبب ظواهر مثل مقاولة الأصوات وقادة الصناديق والأعضاء العارضين الذين ينضمون إلى الأحزاب فقط للتأثير على اختيار المرشحين وأحياناً حتى لا يصوتون في الانتخابات العامة للحزب الذي هم فيه أعضاء (راهت، 2006ب:140؛ Rahat and Hazan, 2001: 315-316).

ومن غير الواضح عموماً ما إذا كانت الإجراءات الديمقراطية الداخلية تدعم القيم الديمقراطية الأخرى، مثل التنافسية أو التمثيل. اختيار المرشحين عن طريق هيئات شاملة يعطي أفضلية زائدة للمرشحين الحاليين ويقلل من فرص المرشحين الجدد وغير المعروفين في أن يتم انتخابهم. بذلك فقد يمنع تدفق «دماء جديدة» في الحزب. وقد يضر كذلك بتمثيل المرشحين، وخصوصاً مقابل طريقة لجنة التعيينات التي يمكنها تقديم أقليات وممثلي أفكار محددة. استخدام آليات موازنة، مثل حصص تمثيل النساء والأقليات، يمكنه أن يضمن تمثيلاً على المدى القصير، لكنه على المدى البعيد سيضر به، ذلك إنه يخلق ساحة تنافسية منفصلة للنساء والأقليات الذين سيتنافسون بينهم وبين أنفسهم. فإذا تم انتخاب الأقليات أو النساء من قبل أعضاء القطاع نفسه فقط داخل الحزب، فإن المرشحين في هذه القطاعات قد يضعون المصالح القطاعية فوق المصالح الحزبية (راهت، 2006ب: 141)([2]).

ثمة إذاً آراء هنا وهناك حول موضوع أهمية الديمقراطية الداخلية في الأحزاب. لكن وحتى إذا اتفقنا مبدئياً مع الرأي القائل بأن الديمقراطية الحزبية الداخلية شيء يراد، فإن علينا الإجابة عن السؤال ما إذا كانت الدولة بحاجة إلى اتخاذ موقف عن طريق فرض إجراءات ديمقراطية حزبية داخلية أو تشجيعها أو مكافأتها. إنه سؤال من الوزن الثقيل يصعب على كثير من الديمقراطيات الحديثة مواجهته.

ثمة من يعارض تدخل الدولة في هذا المجال معارضة شديدة. تستند هذه المعارضة على مفهوم إن الأحزاب هي الهيئات المستقلة التي يمكنها اتخاذ القرار حول طرق إدارتها الداخلية، وإن تدخل الدولة بشؤون الأحزاب الداخلية إدارياً يمس بحرية تشكيل الروابط. تتوافق هذه الفكرة مع الفكرة الليبرالية التقليدية التي ترى بالحزب هيئة خاصة يحق لها أن تحدد طريقة إدارتها بنفسها. ومثلها مثل أية هيئة خاصة أخرى، وإذا ما كان الناخب غير راض عن حزب ما يمكنه أن يختار أي حزب آخر (أبنون، 1993: 39-40؛ مارزل، 2006: 63-64؛Schattschneider, 1942: 59-60).

يعتقد البعض أن فرض الديمقراطية داخل الأحزاب يعبر عن فهم غير تعددي، ذلك أن ثمة أحزاباً تعبر إدارتها عن جزء من جوهرها ومن رؤاها – كتلك التي تقوم على الزعامة الدينية، وعلى زعامة شخص كاريزمي وما شابه ذلك. وبالمثل، ثمة أحزاب يعكس غياب التمثيل فيها رؤاها. هل، على سبيل المثال، من المناسب أن تفرض الدولة على الأحزاب الدينية تمكين النساء من القيام بالوظائف العامة؟ فرض القواعد الديمقراطية على هذه الأحزاب يضر بجوهرها وبعقيدتها، لذلك يرى البعض بأنه يتعارض مع الديمقراطية (أبنون، 1993: 53). تقول ذريعة أخرى بأن فرض ديمقراطية حزبية داخلية ليس عملياً سواء بسبب أن كثيراً من الأحزاب ليس لديها أعضاء ومؤسسات حقيقية، أو بسبب أن الديمقراطية الداخلية قد تبقى على الورق فقط – إذا صوت عدد قليل جداً من الأشخاص، على سبيل المثال، في الانتخابات الداخلية (مارزل، 2006: 66).

يعتقد أنصار فرض الديمقراطية الداخلية أنه نظراً إلى أن الأحزاب هي هيئات مركزية في هيكل الديمقراطية، فإن الدولة – المعنية بتقدم الديمقراطية وتحسينها، ولديها الصلاحية لفعل ذلك – لها الحق في التدخل في شؤونها الداخلية (Van Biezen, 2004; Hazan and Rahat, 2010: 178). ثمة رأي أساس آخر وهو بما أن الأحزاب تحصل اليوم على تمويل سخي من الدولة، يكون لها الحق من هذا المنطلق أن تتدخل في شؤونها الداخلية. النموذج الليبرالي التقليدي في علاقة الدولة بالأحزاب يتكئ وفق هذا الرأي، على استقلاليتها هي، إلا إن هذا النموذج لم يعد قائماً بسبب اتساع تمويل الأحزاب من قبل الدولة (Austin and Tjernström, 2003; Nassmacher, 2006; Koβ, 2010). تجدر الإشارة بين قوسين إلى أن الأحزاب في الماضي كانت تعتمد على تبرعات أصحاب رأس المال، وعلى رسوم الأعضاء وعلى متطوعين بلا أجر. إلا إن إيرادات الأحزاب قلت قياساً بنفقاتها بسبب زيادة تكاليف إقامة حزب، وانخفاض عدد الأعضاء – وبالتالي رسوم العضوية – وفي عدد الأشخاص المستعدين للعمل في سبيلها بلا أجر. في الوقت نفسه بدأت الدولة ترى في الأحزاب جزءاً من الميدان العام والتعامل معها على إنها مؤسسات ضرورية للديمقراطية خصوصاً وللجماهير عموماً. لذلك فإن لديها مصلحة كبيرة في تمويل الأحزاب، كي تمنع تبعيتها لأصحاب رأس المال أو كي تحافظ على التنافس العادل بين الأحزاب ذات الموارد المختلفة.

الربط بين الصعوبات الاقتصادية في الأحزاب وبين التغير في نظرة الدولة إليها أدى إلى زيادة كبيرة في حجم التمويل الحكومي([3]). وبدأت الدولة مع التمويل الحكومي تتدخل أيضاً في إدارتها الداخلية، لأن عليها أن تتأكد من أن المال يصل إلى هدفه ويتم استثماره في الأهداف التي من أجلها تم تخصيصه. ونتيجة ذلك إذا قررت الدولة أن الديمقراطية الحزبية الداخلية شيء يراد، فمن حقها أن تقدمها عن طريق التدخل في شؤون الأحزاب الداخلية.

ماهو موقف غالبية الدول الديمقراطية؟ يتضح من المنظور المقارن أن عدداً قليلاً من الدول نظمت عن طريق التشريع إجراءات الانتخاب الداخلي أو فرضت طريقة ما على الأحزاب. يجري الحديث عن أربع دول فقط من بين الدول التي ضمتها الدراسة: الولايات المتحدة وفنلندا وألمانيا ونيوزيلندا. وأيضاً في هذه المجموعة الصغيرة ثمة اختلافات. بعضها وضع قوانين مفصلة حول الإجراءات التي على الأحزاب اتخاذها، في حين أشار بعضها إلى عموميات في هذا الصدد.

ينص القانون في فنلندا أن على الأحزاب أن تختار مرشحيها إلى البرلمان عن طريق انتخابهم من قبل الأعضاء (Sundberg, 1997: 103-104). وتلتزم الأحزاب في ألمانيا بإجراء انتخابات داخلية في سياق انتخابات سري وديمقراطي، لكن ليس ثمة تفاصيل حول الطريقة. وفعلاً أغلب الأحزاب تستخدم آليات ديمقراطية غير مباشرة من أجل اختيار زعمائها ومرشحيها إلى البرلمان: هؤلاء يتم انتخابهم من قبل مندوبين عن مؤسسات حزبية الذين تم انتخاب جزء منهم على الأقل من قبل أعضاء الحزب. مع ذلك، ومن أجل استخلاص النتائج وكي يتم حظر الحالات التي يتم فيها انتخاب نصف المندوبين فقط أو أقل في سياق ديمقراطي في حين يتم تعيين البقية، تنص المادة 9(2) من قانون الأحزاب الألماني أن 80% من المندوبين يجب أن يتم انتخابهم من قبل أعضاء الحزب (Poguntke, 1994: 190): «يحق للأعضاء الذين لم يتم انتخابهم أن يشاركوا هم أيضاً في اجتماعات المندوبين. لكن في حال وجود تصويت، فإن وزن هؤلاء الأعضاء من مجمل من يحق لهم الانتخاب يجب ألا يزيد عن خمسين» (ترجمة غير رسمية). ويحدد التشريع النيوزيلندي هو أيضاً أن على الأحزاب المتنافسة في الانتخابات العامة أن تختار مرشحيها بإجراء ديمقراطي. هنا أيضاً يسمح التشريع للأحزاب السياسية في إشراك أعضائها في سياق انتخاب المرشحين الداخلي انتخاباً مباشراً أو غير مباشر من خلال مندوبين منتخبين من اختيارها. «على كل حزب […] أن يتأكد من أن عملية اختيار مرشحيه إلى البرلمان ستسمح في المشاركة: (1) الأعضاء الذين سددوا الرسوم الحزبية؛ أو (2) المندوبين الذين تم تعيينهم أو انتخابهم (انتخاباً مباشراً أو غير مباشر) من قبل الأعضاء الذين سددوا الرسوم الحزبية؛ أو (3) من هؤلاء الأعضاء والمندوبين معاً» (New Zealand Electoral Act, section71).

هذه النماذج، كما قلنا، استثناء. اختارت أغلب الديمقراطيات عدم التدخل في عملية اختيار المرشحين الداخلية في الأحزاب وأن تترك لها القرار في تحديد طريقة الانتخاب المفضلة لديها، على الرغم من أن للعملية آثاراً بعيدة المدى على الجهاز السياسي.

آليات لتشجيع الديمقراطية داخل الحزب

وأخيراً، علينا النظر في اتخاذ تدابير لمكافأة الأحزاب التي تدار ديمقراطياً. ثمة سبيلان ممكنان لذلك، هما فرض عقوبات عن طريق سن قوانين تمكن من حظر الأحزاب التي ليس لديها ديمقراطية داخلية، أو صيغة مدونة قواعد سلوك. ومع ذلك كلا السبيلين إشكالي. السبيل الأول، حظر الأحزاب التي لا تقيم ديمقراطية داخلية هو إشكالي من ناحية عملية ومعيارية. وفيما يتعلق بالسبيل الثاني، فيجب الاعتراف بأن تأثير مدونة قواعد السلوك تأثيراً فعالاً يكاد لا يذكر. وكذلك أيضاً فإن أغلب مدونات قواعد السلوك تعمل في الميدان بين الأحزاب وليس في الميدان داخل الحزب، كي تتطرق إلى الديمقراطية داخل الحزب.

ثمة إمكانية أخرى لتحفيز الديمقراطية داخل الحزب بوساطة استخدام آلية المكافأة المالية. تمنح الدولة مآثر إضافية، في إطار تمويل الأحزاب، للأحزاب التي تنطبق عليها معايير الإدارة الديمقراطية داخلياً. آلية المكافأة هذه لا تفرض على الأحزاب إجراء انتخابات تمهيدية، لكنها تشجع، إلى حد ما على الأقل، على إجرائها، وذلك لتقول الدولة إنها تؤيد، من ناحية معيارية، الديمقراطية داخل الحزب([4]).

وبغية مكافأة الأحزاب على إقامة الديمقراطية داخلها يجب أن نوضح بداية أياً من الإجراءات هي ديمقراطية. هل هي مجرد انتخاب المرشحين والزعماء انتخاباً مباشراً من قبل أعضاء الحزب أم إنها تنطبق أيضاً على الانتخاب غير المباشر، عن طريق مؤسسات حزبية وسيطة (مركز، لجنة، مجلس)؟ ومن أجل ذلك علينا أن نقرر ما إذا كانت ثمة طريقة فضلى لانتخاب المرشحين والزعماء. تشير الأدبيات البحثية أن ليس ثمة طريقة مثلى. فثمة مزايا للهيئات الناخبة الشاملة، مثل أعضاء الحزب، بتعزيز المشاركة، وثمة مزايا للهيئات معتدلة الشمول (مؤسسات حزبية) بتعزيز التنافسية (راهت، 2006ب: 140). لذلك فإن من المنطقي السماح للأحزاب بالتحرك بمرونة في انتخاب مرشحيها وزعمائها، عدا عن تحمل أعضاء الحزب جزءاً ما من العملية. بعبارة أخرى، فإن الإجراءات التي يتم ذكرها فيما يأتي تعد، وفق رأينا، إجراءات ديمقراطية داخلية: (1) الانتخاب المباشر من قبل أعضاء الحزب (البرايمرز في شكلها المعروف)؛ (2) الانتخاب غير المباشر من قبل مؤسسات حزبية 80% من مندوبيها على الأقل قد تم انتخابهم من قبل أعضاء الحزب خلال السنوات الأربع الأخيرة؛ (3) أي جمع بين الطريقتين([5]).

تظهر دراسة آليات تنظيم الأحزاب في ديمقراطيات أخرى أن استخدام آليات ثواب كهذه نادرة جداً (International Institute for Democracy and Electoral Assistance [IDEA], 2009). والمثال الأوضح على استخدام كهذا هو في النروج، في الأعوام 1920-2002([6]). وبموجب هذا التنظيم تمول الدولة انتخاب الأحزاب التمهيدية في حال استوفت المعايير الآتية: إذا كان على مرشحي الحزب إلى البرلمان في مقاطعة معينة أن يتم انتخابهم عن طريق ممثلين من الوحدات الحزبية جميعها (الفروع الحزبية على سبيل المثال) في المقاطعة نفسها، من غير تدخل زعماء الحزب ومؤسساته الأخرى. إذا تم انتخاب الوحدات الحزبية من قبل أعضاء الحزب (من الوحدات نفسها)، الذين سددوا رسوم العضوية والذين هم بسن الانتخاب إلى البرلمان. طبقت الأحزاب في النرويج فعلاً هذه الإجراءات في أغلب الحالات، وحصلت على تمويل من الدولة، لكن المقاطعتين اللتين أرسلتا أكبر عدد من الممثلين إلى البرلمان أوسلو وأكيرشوس (Akershus)، فضلت الأحزاب فيهما، عموماً، التنازل عن التمويل وعينت مرشحين مخضرمين من جانب الحزب من غير إجراء انتخابات تمهيدية (Heidar and Saglie, 2003; Ashiagbor, 2008: 6-7). وضعت الآلية النرويجية مطالب مفصلة فيما يتصل بطابع الانتخابات التمهيدية أمام الأحزاب الراغبة في الحصول على تعويضات مالية، لكنها مكنت من وضع مطالب أقل، في حال شارك أعضاء الحزب على سبيل المثال، مشاركة ما، مباشرة أو غير مباشرة، في انتخاب مرشحي الحزب إلى البرلمان.

ثمة آلية مختلفة كلياً يتم اتباعها في الولايات المتحدة منذ عام 1976. يحق لكل مرشح وفقها شارك في الانتخابات التمهيدية في حزب ما تمهيداً للانتخابات الرئاسية الحصول على مبلغ مالي يعادل المبلغ الذي نجح في استثماره بنفسه من الحكومة الفيدرالية إذا استوفى شروطاً معينة. وبذلك يمكن للمرشح مضاعفة المبلغ الذي استثمره (تدعى هذه الآلية «matching»). ومن الشروط الواجب على المرشحين تنفيذها هي استثمار 5,000 دولار على الأقل في كل ولاية، في 20 ولاية على الأقل؛ الحد الأقصى الذي تطابقه الحكومة هو 250 دولار لكل مساهم؛ نفقات المرشح على الانتخابات التمهيدية مقيدة (The Federal Election Commission, 2008: chap. 96)([7]). المرشحون الذين لا يرغبون في أن تكون نفقاتهم الخاصة مقيدة يمكنهم أن يختاروا عدم قبول التمويل من الحكومة. تعوض هذه الآلية المرشحين تعويضاً مباشراً وتعوض الأحزاب التي تجري انتخابات داخلية تعويضاً غير مباشر – على عكس المرشحين المستقلين أو المرشحين من الأحزاب التي لا تجريها – ذلك أن المرشح يمثل الحزب في الانتخابات الرئاسية يحصل من الحكومة على المبلغ الذي يعلن عنه. الاختلاف عن الآلية النرويجية يكمن في هدفها، والذي لم يأت لتشجيع الديمقراطية داخل الحزب وإنما لزيادة الإشراف على تمويل الانتخابات وشفافيته. وبسبب إجراء الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري، انتخابات تمهيدية لمرشحيهم إلى الرئاسة، فإن الآلية تضر على وجه الخصوص الأحزاب الصغيرة والمرشحين المستقلين الذين لا يجرون انتخابات تمهيدية.

ملخص

تناولنا هنا عدة أسئلة أساس: ماهي الديمقراطية داخل الحزب؟ إلى أي حد هي متبعة في الديمقراطيات؟ هل هي مطلوبة؟ وهل على الدولة تشجيعها؟

ونحن لسنا مع فرض الديمقراطية الداخلية على الأحزاب لأنه، وفق رأينا، غزو لا يتناسب واستقلال الأحزاب ذاتياً. ولكن إلى جانب عدم التدخل هذا فإننا نعتقد أن على الدولة أن تدعم الأحزاب، التي تقيم ديمقراطية، من خلال الحوافز المالية. صيغة كهذه من التنظيم مقابل التعويض تخلق توازناً مناسباً وتسمح كذلك للأحزاب الديمقراطية أن تزدهر في الجهاز السياسي.

([1]) تم دحض هذه الذريعة جزئياً في الدراسة حول الديمقراطية الداخلية لدى الأحزاب الكبرى في ألمانيا. لم يزدد معدل الأعضاء في الأحزاب إثر الديمقراطية الداخلية لكن حجم نشاط الأعضاء القدامى ازداد. انظر: Scarrow, 1999.
([2]) مع ذلك فإن الحصص يمكن أن تكون مبررة إذا ما كانت مؤقتة، لأن هدفها عندئذ توفير نقطة بداية عادلة للمرشحين جميعهم. انظر: Hazan and Rahat, 2010: 172.
([3]) يكون التمويل الحكومي كبيراً خصوصاً في الديمقراطيات الجديدة في أوربة الشرقية لأن مهمة الأحزاب في بناء الديمقراطية الجديدة هناك أكبر، ولأن الأحزاب هناك، أغلبها، تفتقر تقريباً إلى الموارد الاقتصادية.
([4]) إلى جانب المكافأة المالية يمكن اقتراح آليات تعويض أخرى، منح المرشحين المتنافسين في الانتخابات التمهيدية مثلاً، فترة بث مجانية في الإذاعة والتلفزيون.
([5]) الانتخاب على مرحلتين، على سبيل المثال، يتم فيه انتخاب مندوبي المؤسسة الحزبية لائحة المرشحين (مرحلة الفرز الأولى) في المرحلة الأولى، وفي المرحلة الثانية يقوم أعضاء الحزب بترتيبهم. للاطلاع على تفاصيل انتخاب المرشحين على ثلاث مراحل انظر: راهت 2006ب: 143-144.
([6]) صدر عام 1920 قانون الترشيح Nomination Act الذي تم دمجه عام 1985 في قانون الانتخابات (Election Act).
([7]) يحظر عليه، على سبيل المثال، (وعلى عائلته القريبة) إنفاق أكثر من 50,000 دولار من أموالهم الخاصة لأغراض الحملة الانتخابية.
الإعلانات
التصنيفات :غير مصنف
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: