أرشيف

Archive for 21 فبراير, 2011

أضواء على الكتاب المقدس

تم نقل “الكتاب المقدس” من الولايات المتحدة إلى (إسرائيل) وهو دليل ضخم ووثائق تملأ صندوقاً طوله ستة أقدام وارتفاعه عشرة أقدام‏

[Items stolen, washington Post. April 1989 .9‏]

يحوي صوراً لمنشآت متعلقة بالأمن قامت طائرات المراقبة الأميركية بالتقاطها على علو شاهق، كما اشتمل على معلومات حساسة عن تكنولوجيا أشعة الليزر، والأسلحة الأميركية، وعلى معلومات سرية عن القوات البحرية والألغام والتسهيلات في موانئ البحر الأبيض المتوسط.‏

وبالاعتماد على هذه الوثائق قامت (إسرائيل) بعدة أعمال، منها: الهجوم الجوي في أكتوبر 1985 على منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وأسفر عن مقتل مئة من المدنيين التونسيين وتهديم مقر المنظمة.‏

ثم قامت (إسرائيل) بنقل بعض هذه الوثائق إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك، بطريقين، أحدهما مباشر: عبر (الحكومة الإسرائيلية) التي قدمت الأسرار في محاولة للتأثير في سياسة موسكو إزاء هجرة اليهود. والآخر غير مباشر: عبر الموساد إلى دائرة الاستخبارات الروسية (كي – جي – بي).‏

وقد وردت هذه الاكتشافات في تقرير إخباري أذاعته (يونايتد برس انترناسيونال) في 13 ديسمبر 1987 وأعلم فيه كاتبه وهو ريتشارد سيل أن الاتحاد السوفيتي اخترق الاستخبارات الإسرائيلية وأنه جرت مقايضة المعلومات مع الاتحاد السوفيتي مقابل وعود بزيادة هجرة اليهود السوفيت إلى (إسرائيل)‏

كان من بين هذه المعلومات “معلومات استراتيجية عن قوات الدفاع في تركيا وباكستان والدول العربية، بما فيها” المملكة العربية السعودية”، وظهرت أخبار تحويل الوثائق إلى موسكو في عناوين تسع صحف، لكن الأخبار وشبكات التلفزيون المتنافسة تجاهلتها، ولم تنشر صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” كلمة واحدة عنها [There ported diversion, interview, Richard T.sal, Nove mber 16, 1989].

وحوى كذلك، إضافة إلى ما سبق صور الأقمار الصناعية التي تكشف مكان منشأة ذرية سرية في باكستان، وقام مسؤولون إسرائيليون بالاتصال مع الهند في يونيو 1985 وعرضوا عليهم القيام بخطة، تقضي بقيام الهند وإسرائيل، بغارة جوية مشتركة يهدمان بها المنشأة، لكن الهند رفضت. إضافة إلى العديد من الأعمال قامت بها (إسرائيل) هددت فيها أمن الدول العربية ودول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية.‏


لقد قام (محلل الجاسوسية المضادة) البالغ من العمر 30 عاماً (جوناثان جي بولادر) بسرقة هذه المعلومات من الولايات المتحدة وإرسالها إلى “إسرائيل” عام 1984. وتمت صفقة التجسس عندما التقى (بولارد) بالطيار الصهيوني (أفيم سيلا) الذي كان يعمل بالجاسوسية ووعده بتسليمه أسراراً عسكرية مقابل تعويض شهري قدره 1500 دولار وبدأت العملية في جو من الترف كما يقول [Paul Findley] في [They dare to speak out] إذ سافر (بولارد) وزوجته (آن هندرسون) بالدرجة الأولى إلى باريس لقضاء عطلة ترفيهية. وهناك التقى (سيلا) وعميل الاستخبارات ورئيس وكالة الاستخبارات التكنولوجية (لاكام) (رفائيل ايتان) الذي قدم له مبلغ 10 آلاف دولار لتغطية المصروفات وتلقت زوجته خاتم ياقوت قيمته 7 آلاف دولار وجرى تعريف بولارد وزوجته بأحد موظفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن وهو (جوزيف ياغور) الذي أصبح فيما بعد الوسيط الرئيس في العملية.‏

وعندما عاد (بولارد) إلى واشنطن أخذ يسرق الوثائق من الملفات العسكرية بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع، ويسلمها إلى (ياغور) لتصويرها، أو إلى موظف آخر في السفارة الإسرائيلية وهو (إيريت إرب).‏

وفي الربيع التالي تمتع (بولارد) وزوجته برحلة ترفيهية أخرى كلفت عشرة آلاف دولار. وكانت هذه المرة إلى (إسرائيل) حيث تسلم بولارد جواز سفر إسرائيلي باسم جديد. ورفع تعويضه إلى 2500 دولار في الشهر، ووُعد بأن يتلقى التعويض طيلة السنوات التسع التالية، وقيل لـه بأنه جرى فتح حساب باسمه في سويسرا.‏

وبعد ذلك بستة أشهر، أي بعد سنة من بدء التجسس، انهارت العملية. إذ اعترض موظفو مكتب التحقيقات (بولارد) في منتزه قرب المكان الذي يعمل فيه في واشنطن، وذلك لاستجوابه، فتملص (بولارد) منهم لفترة من الزمن قام خلالها بالاتصال تلفونياً بزوجته، وأفضى لها بكلمة السر (كاكثوس) التي كان عليها بموجبها أن تخرج جميع الوثائق المسروقة من شقتهما، وعندما عاد لاستئناف الاستجواب كانت زوجته قد نقلت جميع الوثائق المسروقة في حقيبة إلى مسكن (إرب).‏

وطلب (بولارد) من (ياغور) أن يشير عليه بما يفعل، فأشار عليه بأن يخلد هو وامرأته في السكون فترة قبل أن يتحولا إلى الملجأ السياسي في السفارة الإسرائيلية وحاولا ذلك في 21 نوفمبر 1985 لكنهما فشلا في اختراق المراقبة عليهما، فلم يكادا يدخلان أبواب السفارة حتى رفضت منحهما اللجوء السياسي وألقي القبض عليهما عندما خرجا من السفارة. وفي تلك الأثناء غادر (ياغور) و(إرب) الولايات المتحدة إلى (إسرائيل).‏

وعندما علم موظف سابق في الموساد، بإلقاء القبض على بولارد قال: “لدينا قضية أخلاقية، إنك لا تستطيع الحصول من الولايات المتحدة على أموال تستخدمها، بعد ذلك، في شراء معلومات عنها” وقبل القبض على (بولارد) كانت الملاحقة القضائية للتجسس الإسرائيلي أمراً محرماً لدى مكتب التحقيقات الفدرالي، على الرغم من توافر الشواهد منذ زمن على الاشتباه بغيره من الموظفين الفدراليين. وكان مكتب التحقيقات الفدرالي، كما يقول (ريموند و. ونال) المساعد السابق لمدير المكتب ذاته: “على علم باثنتي عشرة حالة نقل فيها الموظفون الأميركيون معلومات سرية إلى الإسرائيليين”، لكن لم يجر أي تحقيق، وتركت الملفات وسط الغبار المتراكم.‏

[The FBI” Knew….. Washington post, June 3, 1986‏]

كتب الصحفي (وليم سافاير) الذي نادراً ما ينتقد (إسرائيل):‏

إن الحقيقة السافرة هي أنه إذا ثبتت تهمة التجسس في المحكمة فإن ذلك يعني أن الدولارات التي تدفع معونة لإسرائيل، تحولها إسرائيل إلى جيوب الخونة الأميركيين. ولابد لهذه القضية أن تتفاعل”‏

[In the wake of, New York Times, Februauy 11, 1985]

وفي أعقاب القبض على (بولارد) اعتذر الموظفون الإسرائيليون المحرجون عن التجسس، وقبل (جورج شولتز)، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، الاعتذار بارتياح، وسارعت وزارة الخارجية إلى توفير الغطاء. فأرسل (شولتز) فريقاً برئاسة القانوني (أبراهام سوفير)، وهو صهيوني لإجراء تحقيق قصير، وعندما عاد (سوفير) قدم تقريراً كاذباً يقول بأن (إسرائيل) أتاحت كل السبل للوصول إلى جميع الأشخاص الذين يعرفون الحقائق، وبعد شهر من إلقاء القبض على (بولارد) أعلنت الوزارة أن (إسرائيل) أعادت الوثائق المسروقة، وأن الولايات المتحدة استأنفت مشاركة (إسرائيل) في “جميع ميادين” الاستخبارات.‏

الإعلانات
التصنيفات :بحوث استراتيجية

العنصرية في مناهج التربية الصهيونية

لا شك في أن هناك علاقة متبادلة بين الثقافة وتكوين الشخصية، وهذه العلاقة وثيقة، تتم من خلال تفاعل الأفراد بعضهم ببعض من جهة، وبين الأفراد والبيئة المحيطة من جهة ثانية، كما إن التعصب، كما تقول حقائق علم النفس، هو سلوك اجتماعي مكتسَب، وإنه عبارة عن سجايا يتعلمها الفرد، شأنها شأن الاتجاهات النفسية والعقائد المختلفة الأخرى، وإن معظمه يُكتسَب أو ينمو ويتكون خلال الفترة بين سن الطفولة وسن الرشد هذا إضافة إلى أن الأطفال لا يشعرون بالفروق العنصرية حتى تفرضها عليهم الحوادث أو الآباء أو الثقافة التي يعيشون فيها [Allport and Postman, The Psychology of Rumors, New York, Henry Holt and Company, 1948, p. 130.] وحين يشب الطفل وينمو بين أفراد مجتمعه يتعلم التعصب من والديه، إذا كانا متعصبين، أو من أصدقائه إذا كانوا كذلك، أو من الاتجاهات النفسية والثقافية السائدة في مجتمعه.‏

فالتعصب نتاج التفاعل والتعلم الاجتماعيين، وهو كغيره من الاتجاهات النفسية الأخرى، ينمو بصورة تدريجية ويكون خاضعاً للتعديل والتنوع إلى أن يلائم تلك المقاييس التي تواضع عليها ذلك المجتمع وتبناها.‏

من هنا نجد أن الخطاب الموجه للتلاميذ في الكيان الصهيوني والذي يصنع بطريقة مؤدلجة إنما يستهدف تحريف دلالة الأحداث واستخدامها كما يشاء الداعية الصهيوني، ويكون التلاميذ في هذه الحال، كتلة سلبية من البشر، يستطيع الداعية الصهيوني أن يحركها ويؤثر فيها عن طريق الدعاية السياسية والاجتماعية إضافة إلى الدعاية التحريضية. فتقوم الحكومة الإسرائيلية بوضع الأسس للمناهج المدرسية في الكيان الصهيوني وتروج ما ترغب به في إطارها الأيديولوجي.‏

ويشكل النص المخصص للتلاميذ في الكيان الصهيوني جرعة (بارانويا) مفرطة حول سيادة العرق اليهودي وتفوقه على جميع الخلائق، إضافة إلى صياغة المادة التعليمية بشكل بعيد، كل البعد عن المنطق السليم.‏

نستطيع قراءة الحقن العنصري الأيديولوجي في مبررات وجدت لهذه الغاية، كالتغني بالعنصر اليهودي، بطرحها مصطلح (ابن الله) الذي يمتاز عن جميع البشر بالعديد من الصفات التي لا يرقى إلى مثلها شعب آخر.‏

لقد كان لرقص الصهيونية على حبال (التفوق العرقي) أثر بارز في النفس اليهودية، لأنها اعتمدت، في رقصها، موسيقا الدين، ولا مجال من وجهة نظر صهيونية، للمقارنة بين ما هو يهودي وغير يهودي؛ يقول الحاخام مناحيم شينؤورسن: “الجسد اليهودي يختلف كلياً عن أجساد بقية الشعوب، وذلك من حيث المأكل والمشرب والطينة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجنين الذي يسمى إنساناً، لأنه يتكون من جسد وروح، والاختلاف بين جنين إسرائيل وأجنة بقية الشعوب كبير جداً، لأنه لا وجه للشبه بين جسدين من مرتبتين متناقضتين، ولأن روح الجنين هو النقيض والضد تماماً إزاء الجنين التابع لأي شعب آخر؛ وما يصح على الجسد (المادة) يصح كذلك على النفس والروح، إذ إن أصل أرواح الشعوب هو من طبقات النجاسة الثلاث، بينما أصل أرواح بني إسرائيل هو من الروح المقدسة ذاتها”.‏

تبرز تناقضات عديدة، لا مجال لحصرها، في التكوين الفكري للحركة الصهيونية، باعتمادها على قص ديني، اعتمد الميتافيزيقيا أسلوباً، وهذه تربة خصبة لكثير من المواضيع تبتكرها الصهيونية لتسوغ ممارساتها، مستندة إلى المنبع الأيديولوجي حصراً.‏

ويمكننا أن نقرأ عدوانية شديدة لدى اطلاعنا على نماذج من الكتب المدرسية في الكيان الصهيوني، فقد نصت المادة الثانية من قانون التعليم في الكيان الصهيوني على أن التعليم فيه يرتكز على قيم الثقافة اليهودية والولاء لإسرائيل والشعب اليهودي وتحقيق مبادئ الريادة في العمل الحلوتسي الصهيوني..‏

تقول (نيلي مندلر) في تعليقها على الاتجاهات الصهيونية اللاإنسانية في مخاطبة عقول الناشئة من اليهود: “عندما قمنا باستجلاء مضامين كتب مباحث العلوم الإنسانية، ومن بينها كتب المطالعة المقررة رسمياً للتلاميذ من الصف الأول حتى الصف الثامن، تبين لنا كم هي محشوة بعبارات التحقير والأوصاف غير الإنسانية المتوحشة، فالكتب والمراجع التي تقرها وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية لتكون بين أيدي المعلمين والمربين، هي أشد عنصرية وأكثر فظاعة مما يستخدمه الطلبة أنفسهم”.‏

وجدير بالذكر أن المناهج الصهيونية حاولت، إضافة إلى ما سبق تشويه صورة الإسلام والنيل من سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.‏

فقد جاء في كتاب (تاريخ شعب إسرائيل) تأليف (ب.إحيا) و(م.هرباز) الذي يدرس لطلاب الصف السابع: “اعتاد محمد الهجوم على قوافل التجار بغية سلبها وسرقتها، وتكللت العملية بالنجاح الأمر الذي أدى إلى حصول محمد على الأسلاب الكثيرة وانضمام عدد كبير من العرب تحت لوائه واتخذوا لهم الإسلام ديناً”.‏

ونقرأ في كتاب (شيعوري هيستوريا) إصدار مركز المناهج التعليمية ما يلي: “لقد قاد (محمد) حرب إبادة ضد جميع الشعوب والقبائل التي لم تتقبل تعاليمه، فأباد قسماً كبيراً من اليهود في الجزيرة العربية”.‏

وجاء في كتاب (هاموليدت شلي) للصف الخامس الابتدائي تأليف (ش.شكير): “إن المسلمين في الخليل منعوا كل من هو غير مسلم من الدخول إلى (معارات هامكفيلاه) [الحرم الإبراهيمي الشريف] فكان يعيش في الخليل طائفة يهودية صغيرة من دارسي التوراة لكن أحداث عام 1929م أدت إلى قتل عشرات اليهود بشكل إجرامي، من بينهم النساء والأطفال، وبعد هذه المجازر الدموية ترك اليهود الخليل ولم يعودوا إليها إلا بعد حرب الأيام الستة”.‏

ويصف (اليعيزر شموئيلي) العربي في كتابه (رجال في التكوين) بأنه طويل القامة عريض المنكبين يلمح في عينيه بريق الغضب، وجهه قاس، وجبينه ضيق وصغير، وشاربه مدبب يرتفع على شكل قرنين، عيناه صغيرتان تدوران في محجريهما وأنفه نسري معقوف”.‏

كما يصور (عوديد يتسهار) العربي بطريقة تدعو الأطفال اليهود إلى الخوف والرعب والكراهية في كتابه (ليس على جادة الصواب).‏

يقول (عكيفا آرنست سيمون) في دراسة تحليلية حول أدب الطفل الإسرائيلي: “الإسرائيليون يعدون الطلاب اليهود للحرب التي ستقوم غداً“، أما تلميذه (تسفي لام) فيقول: “الحرب تفرض نفسها على وعي الإنسان وتوجِّه معظم تصرفاته” وما يؤكد مذهبه هذا قول (يعقوب باسار) ما جاء في قصيدته الحرب المقبلة:‏

الحرب المقبلة.. ننشئها.. نربيها‏

ما بين حجرات النوم… وحجرات الأولاد‏

على حين يذهب (أدير كوهين) في كتابه [An Ugly Face in a Mirror] إلى أن تحليل كتب الأطفال في المناهج الدراسية وغيرها أظهر أنها تصور العدو باللاإنسانية والانحطاط والوحشية وتشكك في إمكانية إقامة علاقات سلام معه أو علاقات من الثقة المتبادلة.‏

بينما يتساءل الكاتب (ألوف هار إيفن) قائلاً: “عندما يعمد العدو إلى القضاء على جميع الإسرائيليين الذين ولدوا في إسرائيل أو هاجروا إليها، وإغلاق أبواب البلاد في وجه الهجرة اليهودية، فهل هناك مجال للتفاهم معه!؟”‏

ويعد الاستبيان الذي أجري لصفوف الرابع والخامس والسادس في مدارس الكيان الصهيوني أحد نتائج التربية العنصرية المتبعة في هذا الكيان والتي تبرز مرضاً مستعصياً لا مجال إلى علاجه، تضمن الاستبيان سؤالين:‏

1-كيف تشعر عندما تقرأ كلمة عربي؟‏

2-اكتب قصة قصيرة عن لقاء مع عري!‏

وجاءت النتائج على الشكل الآتي:‏

75% [العربي يختطف الأطفال، مجرم، مخرب]‏

20% [العربي مفيد لنا يعمل عندنا]‏

15% [العربي جارنا، مخلص، طيب القلب]‏

10% [إنه إنسان]‏

80% [يعيش في الصحراء، يرعى الأغنام، يرتدي كوفية، وجهه مخيف وقذر]‏

ومن بين القصص التي ذكرها التلاميذ:‏

كتب (S.R): العربي مقرف، راعي ماشية، مجرم، لص، شخص غريب ولغته غريبة، يبني البيوت.‏

كتب الطفل (J.A): العربي شعره أخضر، سيئ، لطيف قليلاً، وجهه غريب وصغير.‏

كتب الطفل (H): العربي أسمر البشرة، ليس من شعبنا، ينقل القمامة، يبني البيوت، ملابسه قذرة.‏

قال التلميذ (G.L): العرب يقتلون الأطفال.‏

كتب التلميذ (B): أعتقد أن العربي إنسان عادي ولا يجب أن نطرده من البلاد.‏

قال الطفل (A.T): عندي صديق اسمه محمود، ونحن نحب بعضنا بعضاً ونلعب معاً.‏

قال آخر: أنا كاهانا… يجب قتل العرب، نجلسهم على الكرسي الكهربائي ونقتلهم.‏

كتب (D.B): قمت بتغيير مكاني عندما جلس عربي بجانبي في الحافلة إلا أنه تبعني وجلس بجانبي ثانية، خفت منه، لقد حاول اختطافي، واستدعى السائق الشرطة وألقي العربي في السجن.‏

قال الطفل (J.A): جلس بجانبي ولد عربي أسمر، وأنا في طريقي إلى القدس في الحافلة، كانت ملابسه قذرة ممزقة، يحمل بيده سكيناً، خفت منه، وأخبرت السائق؛ وأتت الشرطة وزجت العربي في السجن مع عائلته لأنهم مخربون.‏

قال (R.S): ذهبت مع صديقي يهوآف ووالده في رحلة وعندما مررنا بقرية عربية قدموا لنا الماء.‏

كتب (K.R): العربي غدار، هذا ما تقوله أمي، إنها تقول لأبي إن العرب سيطعنونك بسكين في ظهرك.‏

كتبت (A.A): بعد يوم دراسة شاق، أعود إلى البيت فأجد مجموعة من العمال العرب يجلسون على قارعة الطريق يأكلون ويغنون بالعربية، أكره لغتهم، يصوبون نحوي نظرات حاقدة، يجب أن يذهبوا من إسرائيل… ماذا يفعلون هنا؟! فليكفوا عن غنائهم المزعج، إنهم قتلة مجرمون، أتابع السير وأصل إلى بيتي بثقة وكبرياء فأنا يهودية.‏

كتبت الطالبة (T.S): جاء إلى صفنا طالب عربي، جلس إلى جانبي في المقعد، اسمه محمد، كنت أجلس معه، بدا لي لطيفاً، كنت أتخيل أنني أجلس معه في خيمته التي تفوح منها رائحة الخبز العربي، كان عريف الصف (إيال) ونائبه (عوزي) يحرضان الصف ضدي وضد محمد، إنهما يخافان منه لأنه قوي البنية، يقولان يجب أن يذهب إلى صف عربي، لكننا لم نعرهما اهتماماً، وظل محمد يجلس بجانبي ولكن قبل نهاية العام ترك محمد الصف.‏

قال (A.K): يجب أن نطرد العرب من البلاد، يجب أن نطرد عائلة العربي الذي يقتل اليهود أولاً ثم نطرد أهل قريته؛ العرب يكرهوننا، يعتقدون أننا أخذنا أرضهم، قد يكون هذا صحيحاً، مع ذلك، يجب أن يذهبوا إلى مكان آخر… هناك دول عربية كثيرة، بينما لا توجد لنا إلا دولة واحدة.‏

ويشكل القص المخصص للتلاميذ في الكيان الصهيوني جرعة (بارانويا) مفرطة نحو (سيادة العرق اليهودي وتفوقه على جميع الخلائق) إضافة إلى صياغة المادة التعليمية بشكل بعيد كل البعد، عن مجريات الواقع فقد ذكر شموئيل يوسف عجنون في قصته (من عدو إلى محب) والتي جاءت تلخيصاً للصراع مع العرب من وجهة النظر الصهيونية القائمة على التحريف والتضليل والتزييف التاريخي يقول فيها أن العرب شعب قاس يريد الاحتفاظ بالأرض وإنهم يسيطرون على كل شيء:‏

“كان ملك الرياح، قبل أن تبنى “تلبيوت” في أورشليم، يحكم البلاد، وكان وزراؤه وعبيده يحتلون الجبل والوادي والغور والتلال، مخلوقات قوية وقاسية لا يتورعون عن فعل شيء، وكأن الأرض خلقت لهم وحدهم”.‏

ثم يصف كيف أن الريح قامت بضربه وجعلت منه أضحوكة عندما ذهب إلى “تلبيوت” بعد أن يصف المكان بأنه ساحر ورائع: “ذهبت، ذات مرة، إلى هناك، مكان رائع، الهواء عليل، والسماء صافية؛ أتنزه قليلاً، أبحث عن الهناءة والسلوى، وإذ بريح تعترضني قائلة:‏

ماذا تفعل هنا؟ قلت: أتنزه، قالت: “تتنزه! ثم ضربت رأسي بقوة، ونزعت قبعتي، انحنيت لها، فعبثت بملابسي، وقلبت ثوبي على رأسي، جعلت مني أضحوكة، وبعد أن سويت ثوبي أوقعتني أرضاً وهي تضحك، تضحك بشدة، رفعت رأسي وانتصبت… فصاحت بي: اذهب من هنا.. اذهب!… أدركت أن لا مجال للتحاور معها فذهبت”…‏

ويعرض (عجنون) إلى أن الأمر أصبح جدياً ولا بديل عن إقامة بيت، وهذه إشارة يحملها (عجنون) لتبرير حشد الطاقات في سبيل إقامة (دولة) يهودية تحقيقاً لتوجيهات الصهيونية والأخذ بالمبررات التي تدعم ذلك في مقولة أن “اليهود هم شعب بلا أرض”.‏

إذن فالحل الذي وجدته الصهيونية لتنفيذ مشروعها الاستيطاني القائم على القتل والعداء هو بناء (دولة) قوية تضرب جذورها عميقاً في الأرض بطرح أيديولوجي مضلل:‏

“أخذت بعض الألواح الخشبية والحجارة الكبيرة، وبعض الطين والاسمنت. واستأجرت العمال المهرة، وبدأ البيت في التشكل، كما أنني جعلت الأساس عميقاً عميقاً في الأرض”…‏

وهذا يلخص لنا الأعمال التي قامت بها الصهيونية في سبيل إقامة وطن قومي لليهود على الأرض العربية، ثم يذكر (عجنون) أن البناء قد تم ولن تستطيع الريح هدمه.‏

“جاءت الريح ذات ليلة وضربت الأشجار، لكن الأشجار ردت بدورها، عليها، ولم تقم للريح بعد ذلك قائمة، فرحلت. ومنذ ذلك الحين صارت الريح متواضعة وصارت تأتي بأدب واحترام، لذلك وبعدما وجدت هذا منها، تصرفت معها بالمثل، وكنت أخرج لاستقبالها، في كل مرة كانت تأتي فيها، وأطلب إليها أن تجلس معي على الكرسي، الذي صنعته، في الحديقة بين الأشجار. وكانت تجلس، وهكذا صارت تتردد عليَّ باستمرار، ورداً للجميل صارت تجلب معها ريحاً طيبة من الجبال والأغوار تنعشني أيام الحر، نسيت أعمالها السيئة وصرت أطلب إليها أن تزورني باستمرار. تماماً كما تفعل مع جار طيب، فقد أصبحنا (جيران) بحق”.‏

وهكذا وبنوع من التزييف والتلفيق التاريخي يقول (عجنون) بأن العرب كانوا هم المعتدين دائماً وما عمليات الإبادة والتهجير الممارسة ضدهم إلا رداً على عدائهم وهذا هو السبيل الوحيد لبلورة مفهوم السلام وفق الطرح الصهيوني؛ سيادة يهودية مطلقة وتبعية عربية مطلقة.‏

هذا إضافة إلى الطرح القائل بأن على اليهود قتل العرب في كل مكان وزمان، ولا يمكن أن تكون بين الشعب المقدس والشعب المنحط أية رابطة، لأن (الرب) يريد ذلك، وقد خلق العربي بهيئة إنسانية ليكون لائقاً لخدمة اليهودي. يقول الصهيوني (دان الماجور) في قصيدته (في نعليه) والتي يرددها أطفال اليهود في المدارس باستمرار:‏

“الفلسطيني الوحيد الذي أعرفه‏

الذي يخاطبني بلغتي‏

كل صباح، أو عدة مرات في اليوم‏

كما ينبغي لمثقف عربي جامعي‏

يعمل وليد في “سوبرماركت” عندنا‏

عتالاً‏

وأحياناً في قسم الخضار‏

وفي كل لحظة فراغ لديه‏

يغسل في شارعنا‏

سيارات‏

سلالم‏

ينظف البيوت‏

كل لحظة لديه هامة‏

لا أحبذ أن أقول:‏

“إنه صديقي”‏

يغسل سياراتي‏

يأتي بالحاجيات من “السوبر ماركت”‏

يغسل السلالم،‏

يأخذ دون كبرياء،‏

أكياس القمامة‏

والأحذية البالية..‏

أحذيتنا.. وأحذية أصدقائنا.‏

ويبتسم.‏

يتضح لنا مما تقدم أن عناصر الحقن العنصري الصهيوني إنما جاءت لبناء مجتمع قائم على شوفينية فاقعة بين اليهود في الكيان الصهيوني وتحاول تعميم الظاهرة العنصرية في كل المجتمعات التي عاش فيها يهود، حتى أن النازية نفسها استمدت منطلقاتها النظرية من الحركة الصهيونية التي باركتها وأقامت علاقات معها.. لقد اعتمدت النازية فكرياً على الحركة الصهيونية وهذه اعتمدت ممارسة على طريقة تعاطي النازية مع مفهوم (المواطنة) فالعرقية ونقاء الدم وتفوق الجنس، هذا الثالوث غير المقدس، شكل نقاطاً مفتاحية في عملية تطابق الحالتين.‏

لقد أكد (يوليوس شترايخر) أحد أقطاب النازية واليد اليمنى للفوهرر، هذا الأمر عندما أجاب على سؤال وجه إليه فيما إذا كان من بين الذين شاركوا في وضع القوانين في مؤتمر الحزب النازي أجاب: “لقد طالبت بالحؤول دون اختلاط الدم النازي باليهودي، وعلينا أن نتخذ السلوك اليهودي في هذا المجال نموذجاً، لقد استعنا بالقوانين اليهودية في صياغة قوانين نيرنبرغ، ذلك أنها استطاعت أن تستمر قروناً في حين انهارت جميع القوانين الأخرى.‏

إن الصهاينة يتماهون سلوكاً إجرامياً وتوظيفاً حاقداً‏

يتبدى جلياً في حيثية سوداء تقدم رموزاً عنصرية شوفوأيديولوجية في حراك هيدوني في ساحة “الموت للعرب”.‏

لقد نادى زعماء الصهيونية بإبادة العرب وحقنوا أطفالهم بهذا المفهوم استمراراً للعقيدة العنصرية التي لا يريدون لها أن تخبو لدى اليهود تحقيقاً للـ”نحن” العرق الأسمى وتحطيم جماجم “هم” الغوييم.‏

هذا.. ولا يقتصر هذا الأمر على اليمين في الكيان الصهيوني أو الليكود بل ينطبق أيضاً على العمل كذلك. فقد نشر (توم شغيف) كتاباً عام 1984 أورد فيه محاضر جلسات حزب العمل لفترة سابقة أورد فيه بعض أقوال زعماء هذا الحزب:‏

-يتسحاك بن تسفي، الذي شغل منصب رئيس ما يسمى (دولة إسرائيل) فيما بعد يقول: “يوجد في البلاد عرب أكثر من اللازم”.‏

-عضو الكنيست شلومو لافي:‏

“يقلقني عدد العرب الكبير في إسرائيل، فمن المحتمل أن نصبح أقلية في دولة إسرائيل. يجب أن نفكر جيداً بهذا الخطر الذي يتهددنا”.‏

-عضو الكنيست الياهو هـ. كرميلي:‏

“لا أنوي قبول أي عربي”.‏

-عضو الكنيست يحيئيل دوفدفني:‏

“من الأنسب لنا لو نصل إلى حل عن طريق طرد العرب الموجودين في إسرائيل”.‏

-عضو اللجنة المركزية للهستدروت زئيف أون:‏

“سيكون شكل البلاد أجمل بكثير، سأكون سعيداً جداً عندما أسافر من تل أبيب إلى حيفا ولا أرى أي عربي في الطريق”.‏

إضافة إلى ما تبقى من (مخليطانيم) في الكيان الصهيوني على شاكلة بن غوريون وغيره، فقد كان مئير كاهانا يزور المدارس والجامعات ويعلن عن ضرورة قتل العرب وفرض عقوبة السجن على اليهوديات اللائي يقمن علاقات جنسية مع العرب. إضافة إلى دعوته إلى مقاطعة التجار العرب، وحظر الشراء إلا من اليهود ووضع خطط عنف ضد العرب في الجامعات في إطار عمليات (البلماخ) والدعوة إلى إبعاد العرب عن الحرم القدسي الشريف معتمداً على ما جاء في سفر العدد “كل غريب يقترب.. يقتل”.‏

ورفائيل ايتان الذي يطالب “بإدخال العرب في زجاجة مغلقة كحشرات مخدرة”، ومئير كوهين أفيدوف الذي دعا إلى “اقتلاع عيون المتهمين العرب وبقر بطونهم، من الذين لا تثبت إدانتهم”.‏

واللائحة طويلة، هذا عدا عن صورة المجتمع اليهودي الذي ضج بالعنصرية معتمداً على ما جاء في الكتب الدينية اليهودية التي أريد لها أن تبقى شاهداً ومحفزاً للنفس اليهودية للبقاء في إطارها المعادي للأمم فقد جاء في سفر العدد “وإن لم تطردوا سكان البلاد من أمامكم يكن الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها”.‏

وفي القص الديني اليهودي يتجلى مفهوم تربوي غير طبيعي يقدم للأطفال إذ يجب أن يفتح الطفل اليهودي عينيه على قراءة (المقرا) وهو ابن خمس سنوات والمقرا هذا يحوي الكثير من القص الذي يدعو إلى بارانويا يهودية إن صحت العبارة ويسعى إلى تمثل عقائد عنصرية وشعوراً بالدونية التي تبيح من وجهة نظرهم ثأراً ضد أمم الأرض، وما أن يبلغ هذا الطفل سن العاشرة حتى يتم حقنه بما جاء في كتاب (المشنا) الذي يوظف سنن الأقدمين من اليهود وتعاطيهم مع الأغيار ليسير هؤلاء الأطفال على خطاهم وتمثُّل الفكرة العنصرية وطرق ممارستها عن طريق إدراج أحاديث عن ما يسمى بحاخامات إسرائيل. وبعد أن يُتِم الطفل اليهودي سن الثالثة عشرة يكون قد تشبع بالطروحات العنصرية، ويصبح قادراً على إدراك (المتسفوت) أو الوصايا التي تعرِض لكيفية تعاطي اليهودي مع اليهودي وكيف يجب أن تكون علاقة اليهودي مع (الغوي) إذ ما ينطبق على اليهودي لا ينطبق على غيره في مجال التعامل، ومن ثم يأتي التلمود ليتوج ما وصل إليه هذا الطفل من تعاليم في حيثية سوداء عندما يُتِم الخامسة عشر من عمره لتأتي الشروح في إطار تعاليم (وحدة البناء الفكري لليهود) في مجال (افعل ولا تفعل) داعياً إلى ما يسمى بالطقوس الدينية التي تندرج تحتها مواد الفطير واستعادة ما تسمى عندهم بالمعاناة التي تعرَّض لها أجدادهم، إضافة إلى تشكيلات الأعياد اليهودية كعيد البوريم والحانوكا وغيرهما، ومحاولة تقمص هذه الأعمال إحياءً لنزوع الحقد على الآخرين. وما إن يبلغ سن الثامنة عشرة يصبح مهيئاً للوقوف تحت المظلة والزواج لأنه، وقتئذ، يكون قد أتم دراسة المناهج المقدمة إليه، ويستطيع، بالتالي، نقل ما اكتسبه لأطفاله منذ ولادتهم وحتى سن الخامسة، إذ يتم الاستحواذ عليهم من قبل المؤسسات الدينية المختصة.‏

فهذا (يهودا عمي حاي) يذكِّر التلاميذ اليهود بأنه لا بد لكل يهودي من أن يذكر (المآسي) التي حلت به بل وكل ما جاءت به التوراة وذلك في قصيدته (اليهود):‏

الإنسان اليهودي يذكر‏

المظلة في بيت جده‏

والمظلة تذكر‏

السير في الصحراء‏

والصحراء تذكر‏

إيمان الشباب‏

وألواح العهد‏

وذهب عجل الذهب‏

والظمأ… والجوع‏

يذكران مصر.‏

وبنوع من التهويم والتلفيق التاريخي يصل (عمي حاي) إلى ضرورة‏

(استعادة) الأرض، لأن هؤلاء مرتبطون بها، وما الصهيونية إلا أداة لتحقيق كلمة (الله) العليا بعد أن تملي عليه ما تريده ويمتثل:‏

اليهود ليسوا‏

شعباً تاريخياً‏

كما أنهم… ليسوا‏

شعباً أثرياً‏

إنهم شعب جغرافي‏

مع فتات‏

ودمار‏

وطبقات‏

ونيران متأججة‏

وتاريخهم‏

يجب أن يقاس‏

بسلم قياس آخر‏

قبل حين‏

التقيت امرأة جميلة،‏

جدها‏

أجرى لي حفل ختان،‏

قبل حين من مولدها‏

قلت لها:‏

أنت لا تعرفينني‏

وأنا لا أعرفك‏

لكننا‏

الشعب اليهودي.‏

جدك الميت‏

وأنا المختون‏

وأنت الحفيدة الحسناء‏

ذهبية الشعر؛‏

نحن الشعب اليهودي‏

ومثلما يتعلق الأطفال في وقت مبكر بالخرافة وأجوائها، يتعلق بها أكثر عندما تكون المرأة هي الراوي الأساسي لها وعلى الأخص عندما تكون الأم، فقد كانت (فيرا شنيؤورف) (دفورا) والدة (أريك شاينرمان) (الذي أصبح اسمه، فيما بعد، أريئيل شارون، تقص على أسماع ابنها قصصاً عديدة حول ما أسمتها (المعاناة) التي تعرضت لها على أيدي العرب، وتقص عليه شيئاً لا يذكره لأنه كان ما يزال رضيعاً عند حدوثه: “سمعت نداء من خارج البراكية وبدأت بالعمل بسرعة: حملتُ أختك (ديتا) بإحدى يدي، وانتزعتك من السرير باليد الأخرى وركلت باب البراكية برجلي وخرجت إلى زريبة البقر وسط القرية في ليل بارد، وضعتكما على أحد تلال القش واضطجعت بجانبكما وسرعان ما امتلأت زرائب القرية بالنساء والأولاد من اليهود. إذ كانت قرية (ملال) تستعد للدفاع ضد هجوم البدو من أبناء قبيلة (أبو كشك) وأعوانهم من قريتي قلقيلية وطولكرم.‏

ولا أزال أذكر روائح البقر ومنظر الرعب الذي كان يبدو على وجوه الأطفال وهم يسمعون صيحات الهجوم وطلقات النار”.‏

هذا إضافة إلى قصة أخرى كانت ترددها على أسماعه باستمرار: “هذا ما حدث لي في أول يوم وصلت فيه إلى شواطئ (أرض إسرائيل)؛ جاء حمال عربي ضخم في القارب الذي خصص لإنزال ركاب السفينة إلى الشاطئ، ومد إليّ ذراعين قويتين ضخمتين، ولف خصري ليساعدني على النزول من السفينة فصرخت بذعر؛ لقد غرس العرب الذعر في نفسي من اليوم الأول الذي أتيت به إلى هنا”.‏

لقد امتزجت لدى أريك شايزمن (شارون) ذكريات والدته بشأن الحمال العربي في يافا مع سلوك والده العدواني، فقد كان أريك في السادسة من عمره عندما أعطاه والده عصاً وطلب إليه البحث عن الأولاد الذين قاموا بقطف ثمار من أشجار المزرعة، كان هذا في النصف الثاني من عام 1934 ومنذ ذلك الوقت، نادراً ما كان يظهر أريك دون عصا.‏

وكثيراً ما كان أريك يرى والده (شموئيل شاينرمان) وهو يكيل ضربات قوية للأولاد الذين يقتربون من المزرعة، وعندما كان يراه يلعب مع أبناء جيله كان يصيح به قائلاً: “ها… أريك.. انظر! نمتلك أكبر قطعة أرض بفضل استعدادي الدائم لاستخدام القوة في رسم حدودها”.‏

لقد شكلت ذكريات أمِّه مع سلوك والده العدواني مرضاً عضالاً ونزوعاً مستمراً لقتل العرب أينما وجدوا. لقد جسد أريك شاينرمان تعاليم الكتب الدينية التي قدمت إليه في إطارها العنصري، إضافة إلى دور أبويه. جسد تربية عنصرية رسمت شخصيته كمصاص للدماء، مذابحه تدل عليه.‏

وبعد هذا كله، ألا يحق لنا السؤال: أي سلام هذا الذي ينادي به بعض العرب مع العدو الصهيوني!؟ وأية أكذوبة تنطلي عليهم في أن الصهاينة ممكن معهم السلام وهم على ما هم عليه وعلى ما جبلوا عليه.‏

فالصهاينة، أيها الكرام، عندما يتحدثون عن السلام مع العرب، إنما يقصدون المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات، ودون التوصل إلى شيء. لأن (المخليطانيم) في الكيان الصهيوني أدركوا انهيار النفسية الصهيونية لدى المستوطنين جراء المقاومة. وبطرحهم مصطلح (السلام) أي المفاوضات، يكونون قد خرجوا من حالة الحرب، ويوجهون، بالتالي، ضربة للمقاومة بعد دخول العرب في متاهات (الحل السلمي)، فينقطع بذلك حبل الاتصال بينها وبين العرب في الخارج. ويسهل بالتالي، على السلطات الصهيونية إجهاضها..‏

لقد تناول الشاعر الصهيوني حاييم حافير الطروح الصهيونية الحقيقية للسلام وعكسها في منهج تبريري يقدمها للتلاميذ على شكل رسالة مفتوحة تحظر عليهم الخوض في مفهوم السلام مع العرب يقول فيها:‏

فلتكن حرباً.. بغيرها لا نفهم‏

لكن السلام.. بالسلام لسنا واثقين‏

التصريح أو البيان وحتى الإعلان‏

[كل هذا] لا يثبت لنا أن هذا ليس‏

مناورة مضللة.‏

وانظر أية خديعة يستطيع سلام‏

كهذا أن يغطي!!‏

انظر كيف بالمكائد يصنعون لنا سلاماً!‏

يجب استصراخ يهودية أمريكا‏

يجب أن نوضح للكونغرس‏

أن ليس للعرب من مكان‏

أفضل مما هم فيه عندنا‏

تحت الاحتلال‏

(وسترى كم نحسن لهم صنعاً‏

عندما لا نعمل على طردهم)‏

أية ضربة؟‏

نحن الشعب المختار‏

شعب الذهب، شعب الألماس‏

وفجأة يدخلون به هذا الـ.. سلام!‏

عندئذ يا سادة‏

لا سخرية من العدو‏

الوضع وضع طوارئ‏

لملء الأكياس رملاً‏

وتوزيع أقنعة الغاز‏

إننا ثانية في حصار‏

كلهم يتكلمون عن السلام‏

أنقذونا.. أنقذونا‏…


التصنيفات :بحوث استراتيجية