الرئيسية > بحوث استراتيجية > ليبيرتي … والتآمر على الشعب الأميركي

ليبيرتي … والتآمر على الشعب الأميركي

أبرقت السفارة الأميركية في تل أبيب إلى واشنطن تقرير محكمة التحقيق الإسرائيلية حول قيامإسرائيل” بتدمير السفينة الأميركية ليبرتي في المتوسط، تضمنت البرقية رسالة توصية من “الحكومة الإسرائيلية” تطلب فيها عدم إطلاع الشعب الأميركي على التقرير. والسبب من وراء إخفاء التقرير عن الشعب الأميركي هو معرفة كلا الحكومتين الإسرائيلية والأميركية أن ذريعة الاشتباه بهوية السفينة أوهى من أن تصدق [Ennes believes this: See National Review, September 5, 1967].

كما تسلم وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية آنذاك (يوجين روستو)، طلباً آخر بالمحافظة على سرية التقرير.‏

[Another request for: Ennes interview, April 30, 1985]

وما إن وصلت الرسالة مع التقرير الإسرائيلي إلى وزارة الخارجية الأميركية، قام المستشار القانوني للوزارة (كارل ف. سالانز) بإعداد تقييم للتقرير الإسرائيلي ورفعه إلى وزير الخارجية وقتذاك (دين راسك).‏

وأوضح (سالانز) أن العذر الإسرائيلي بعيد عن التصديق وأنه- أي سالانز- قد عثر على ما فيه الكفاية لتكذيب الورقة الإسرائيلية تكذيباً تاماً، فقد ثبت أن الطائرات الإسرائيلية كانت تعرف هوية السفينة، وأن زوارق الطوربيد الإسرائيلية تحققت من هذه الهوية، إضافة إلى العلم الأميركي وعلامات السفينة الفارقة ومواقيت الهجمات المتتالية.‏

على حين ذكر التقرير الإسرائيلي أن ليبرتي كانت تسير بسرعة تتراوح بين 28 و30 عقدة،مما أثار الشبهات”، في حين كانت سرعتها خمس عقد فقط. وتزعم طائرات الاستطلاع الإسرائيلية أنها قامت بطلعتي استكشاف فوق ليبرتي، واحدة في الساعة السادسة والثانية في الساعة التاسعة صباحاً، بينما حلقت في الواقع، ثماني مرات فوقها، أولها في الخامسة والربع صباحاً وآخرها في الواحدة إلا ربعاً بعد الظهر.‏

واتهم التقرير الإسرائيلي ليبرتي بإطلاق النار بعد أن رفضت طلب التعريف عن نفسها. غير أن الكابتن (ماكجوناجل) أفاد بأن الإشارة الضوئية الوحيدة صدرت عن زوارق الطوربيد عن بعد 2000 ياردة بينما كان الهجوم دائراً والطوربيدات في طريقها إلى السفينة. ولم يكن بالإمكان قراءة تلك الإشارات الضوئية بسبب الدخان واللهب المتقطع. ونظراً لعدم رؤية هذه الإشارات لم تجب ليبرتي، وبعد ذلك، في الحال، ضربت السفينة بطوربيد وقتل 25 بحاراً فيها على الفور.‏

ويدعي التقرير الإسرائيلي بأن ليبرتي لم تظهر العلم وعلامات التعريف، على حين أفاد خمسة من أفراد الطاقم أنهم شاهدوا علم الأسطول يرفرف طيلة الصباح وحتى وقوع الغارة الجوية، وعندما ضرب العلم خلال الغارة، رفع علم أكبر منه قبل أن يبدأ هجوم زوارق الطوربيد، أما علامات الهيكل فكانت واضحة ومدهونة حديثاً، وحاول الإسرائيليون التنصل من المسؤولية بالتشديد على أن الحافز للهجوم كان تقارير تفيد أن المنطقة الساحلية تتعرض للقصف من البحر، ويقول (سالانز) أنه لا بد أن يكون واضحاً لأي مراقب متمرن أن المدافع الصغيرة على ظهر ليبرتي لا تستطيع قصف الشاطئ.‏

رفع (سالانز) تقريره إلى وكيل وزارة الخارجية الأميركية (روستو) بتاريخ 21 أيلول 1967. وهذا يعني أن كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية علموا ببطلان الادعاءات الإسرائيلية بشأن ليبرتي عقب الهجوم مباشرة.‏

وبتوافر وثيقة كهذه تدحض المزاعم الإسرائيلية، يقول Paul Findley في They Dare To Speak Out: من المنطقي أن تكون الخطوة التالية إحالتها على الحكومة الإسرائيلية لتعلق عليها، ومن ثم نشر النتائج.‏

ولكن بدلاً من ذلك، دمغ التقرير بعبارة “سري للغاية” وتم إخفاؤه، كما هي حال التقرير الإسرائيلي الذي ما زال بعيداً عن أعين الشعب الأميركي.‏

إن التضليل الذي مارسته السياسة الإسرائيلية بالاشتراك مع السياسة الأميركية وأجهزة استخباراتهما ضد الشعب الأميركي لهو شاهد على تآمر عريق بين السياستين على حساب الشعب الأميركي وشعوب العالم. وخاصة منها من يرفض السياسة الأميركية لتهديدها وجوده، وكذلك من يرفض السياسة الإسرائيلية نتيجة لتهديدها شعوب العالم.‏

ويجدر القول أن وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية كانت تعلم قبل الهجوم بيوم أن الإسرائيليين خططوا لإغراق السفينة، ومع ذلك، وبعد لحظات من آخر طلقة على ليبرتي، تلقى البيت الأبيض اعتذاراً من المسؤولين الإسرائيليين الذين قالوا إن الهجوم كان خطأ مأساوياً، وأرسل رئيس وزراء الكيان الصهيوني وقتذاك (ليفي اشكول) برسالة تعزية إلى الرئيس الأميركي (جونسون) وقبل هذا الأخير هذا التفسير على الرغم من أن المعلومات التي توافرت في الحال أثبتت أنه كذب وبهتان.‏

ورددت معظم تعليقات أعضاء الكونغرس تفسير الرئيس للهجوم فيما استحوذت على الشعب الأميركيالنشوة بانتصارات إسرائيل”، وكتب مراسل صحيفة الواشنطن ستار من تل أبيب يقول: “بعد أسبوع من الهجوم على السفينة الأميركية ليبرتي لم يعرب أحد من الذين يقابلهم هذا المراسل مرات عدة يومياً- من سائقي سيارات عمومية وموظفين في رقابة الصحف ونادلين وجنود- عن أسفه لمقتل هؤلاء الأميركيين” [Smith Hempstone, Foreign: Washington Star, June 16, 1967].

وتجنب البنتاغون أسئلة الصحفيين واعداً إياهم ببيان شامل متى انتهى التحقيق الرسمي بإشراف الأميرال (إيزاك كيد).‏

[The Pentagon Staved: U.S. News and World Report, June 26, 1967; Defense Electronics, October 1981].

وأصدر كيد أوامر صريحة إلى أفراد طاقم ليبرتي “لا تردوا على الأسئلة، وإذا ما أحرجتم قولوا لهم أن الأمر كان حادثاً عرضياً وأن إسرائيل قد اعتذرت عنه، ولا تقولوا شيئاً غير ذلك”. وقد أكدوا لأفراد الطاقم أن بوسعهم التكلم بحرية مع الصحفيين متى أعلنت نتيجة التحقيق. ثم تغير الوضع فأمروا فيما بعد أن لا يدلوا بمعلومات غير ما ورد في محضر التحقيق.‏

وكانت المحكمة ما زالت تستمع إلى إفادات الشهود عندما ظهرت في الصحافة الأميركية التهمة بأن الهجوم كان متعمداً. [The Court: New York Times, June 18, 1967]

وجاء في نبأ نقلته الأسوشيتد برس من مالطا أن بعض كبار ضباط الطاقم قالوا إنهم متأكدون أن الإسرائيليين كانوا يعرفون أنها سفينة أميركية قبل أن يشنوا الهجوم عليها. “فقد كنا نرفع العلم الأميركي بنجومه وخطوطه ومن المستحيل أنهم لم يعرفوا من نحن” غير أن الأسطول شك في هذه الأقوال وقال إن الولايات المتحدة “قبلت تماماً اعتذار إسرائيل“. وما إن انتهى الأميرال كيد من الاستماع إلى إفادات الشهود حتى حمل صندوقاً مليئاً بالوثائق إلى واشنطن ليستجوبه رئيس عمليات الأسطول الأميرال (مكدونالد) وغيره من زعماء الكونغرس قبل صدور البيان الذي طال انتظاره.‏

[Testimony completed, Admiral: Admiral Isaac Kidd, interview, October 7, 1983]

وعندما صدر أخيراً لم يكن شاملاً.‏

[When Finally released: Office of Assistant Secretary of Defense (Public Affairs); News Release, June 28, 1967]

ولم يحاول تحديد المسؤولية، بل إنه ركز بالكلية تقريباً على تصرفات الطاقم أثناء الهجوم.‏

ولم يكشف البيان الذي خضع للرقابة، النقاب عن أن السفينة كانت تحت رقابة جوية إسرائيلية عن كثب مدة ساعات قبل الهجوم، وأن إسرائيل أنذرت الولايات المتحدة تكراراً قبل الهجوم بأربع وعشرين ساعة بأن تنقل ليبرتي.‏

[The censored summary: Ennes, Assault on the Liberty]

ولم يدحض البيان ادعاء الاشتباه بهوية السفينة، بل إن الأسطول ذكر خطأ أن الهجوم استغرق ست دقائق بدلاً من 70 دقيقة، وأكد زوراً وبهتاناً، أن إطلاق النار توقف كلية عندما اقتربت زوارق الطوربيد إلى الحد الذي تأكدت فيه من هوية العلم الأميركي، ولم يذكر الأسطول شيئاً عن النابالم أو عن تدمير قوارب النجاة، بل طمس التقارير التي تقول إن الريح كانت تحرك العلم الأميركي بشكل يجعله واضحاً للعيان؛ غير أن البيان تضمن حقيقة واحدة بقوله:‏

[The report did: New York Times, June 29, 1967; also see Washington Post, June 30, 1967]

قبل الهجوم أمرت هيئة الأركان المشتركة ليبرتي بأن تبتعد عن الساحل” غير أن الرسالةضلت طريقها، وتأخرت ولم تصل إلا بعد وقوع الهجوم”.‏

وانتقدت عدة صحف بيان البنتاغون، فقالت النيويورك تايمز أن البيان “يترك الكثير من التساؤلات من غير جواب“. [The New York: New YorkTimes, July 1, 1967]

واستخدمت الواشنطن ستار كلمة “تعتيم” ووصفت البيان بأنه “إهانة” وطالبت بتحقيق أعمق وأوسع. [The Washington Star: Washington Star, June 30, 1967]

وقال السيناتور (ج. وليام فولبرايت)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية (دين راسك) إن الحادثة “محرجة جداً”.‏

وختمت الواشنطن ستار بقولها: “ومهما يكن معنى هذا، فإن الإحراج لا يبرر المكر والخداع”.‏

وفي أوائل تموز نقلت الأسوشيتدبرس عن (ميخاليمور) الجندية الإسرائيلية الاحتياطية التي كانت في أحد زوارق الطوربيد المهاجمة قولها إن البحارة الإسرائيليين لاحظوا ثلاثة أرقام وهم يطوفون حول ليبرتي ولكنهم أصروا على أن هذه الأرقام لا تعني لهم شيئاً.‏

[In early July: New York Times, July 7, 1967]

وكاد الملازم جيمس م. اينس، وهو ضابط الشيفرة في ليبرتي يجن حين قرأ رواية (ليمور) وهو في المستشفى يتعالج من جروح شظية، وقال إنه كان ساعة الهجوم مسؤولاً عن ظهر السفينة، وقال إن اسم السفينة كان ظاهراً بأحرف بارزة على المؤخرة وكذلك رقم هيكلها في المقدمة، وأن الهواء كان يحرك العلم الأميركي بحيث يرى بسهولة.‏

{Lieutenant Jams M.: Ennes, interview, April 30, 1983]

ويذكر أنه كان قد أمر صباح يوم الهجوم الباكر برفع علم جديد من قياس 5 × 8 قدم. وعند وصول زوارق الطوربيد كان العلم الأصلي قد سقط. غير أن واحداً أكبر منه من قياس 7 × 13 قدم كان قد رفع ويرى واضحاً من طرف عارضة الشراع. وأكد أن المهاجمين سواء من الجو أو من البحر لا يمكن إلا أن يتعرفوا على هوية السفينة. ويضيف الملازم اينس أن المسؤولين عن اعتراض ليبرتي سمعوا طياري طائرات الاستطلاع الإسرائيلي بوضوح يبلغون القيادة الإسرائيلية أن السفينة أميركية.‏

أما فيما يتعلق بالدوافع الإسرائيلية الحقيقية للهجوم فيقول اينس أن المسؤولين الإسرائيليين ربما قرروا تدمير السفينة لأنهم خافوا من أن تتحرى أجهزة التنصت الحساسة فيها الخطط الإسرائيلية لغزو مرتفعات الجولان السورية، ويجدر بالذكر هنا أن إسرائيل قامت بغزو الأراضي السورية في اليوم التالي للهجوم على ليبرتي وذلك على الرغم من موافقة إسرائيل قبل ذلك، على وقف إطلاق النار مع العرب.‏

إن عملية تدمير السفينة الأميركية ليبرتي على يد كل من سلاح الجو والبحر الإسرائيليين لهو شاهد على حرب إسرائيل ضد الشعب الأميركي وضد شعوب الأرض جميعاً، فقد عملت وما زالت على تضليل الشعب الأميركي وسرقته والعبث به، دونما حراك من هذا الشعب لوقف هذا الانتهاك.‏

 

الإعلانات
التصنيفات :بحوث استراتيجية
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: