أرشيف

Archive for 19 سبتمبر, 2010

تشارلز ديكنز والصهيونية



لقد استطاعت الصهيونية العالمية التغلغل في الأوساط الأدبية الغربية بشكل مؤدلج وحاولت تغيير صورة اليهودي من صورة قاتمة في مخيلة الغرب إلى صورة مشعة عن طريق الزيف والخداع والعزف على أوتار الاضطهاد، إذ ازداد تغلغل اليهود في الأوساط الغربية بعدما لفقت الصهيونية للألمان

تهمة (الهولوكوست)، وأن ألمانيا قامت باضطهادهم وذلك ليتسنى لها كسب ود الناس وابتزاز عواطفهم نحو اليهود، والسعي لدس السم الصهيوني في مسوغات وجدت لهذه الغاية لتغيير صورة اليهودي في الفكر الغربي وابتزازه، وإبراز اليهودي مضطهَداً مسحوقاً يجب التعامل معه بكرم زائد وعاطفة كبيرة، تعويضاً له عما حدث له من (عذاب وشقاء) لعبت أمم الأرض دوراً فيه، حسب المزاعم الصهيونية، وهو ما انطلى على الفكر الغربي جزئياً؛ والسبب هو العداء الذي كانت تتبادله هذه الدول مع ألمانيا النازية، إضافة إلى إقامة مؤسسات راعية مترافقة مع أدب منخرط ورأسمال يهودي داعم؛ ومحاولة الكيد للأدباء والمفكرين الذين لم تنطل عليهم هذه الأكذوبة، عن طريق المال والنساء والحصار النفسي المؤدلج؛ وهذا ما حصل مع (تشارلز ديكنز) لدى تأليفه روايته الشهيرة (أوليفر تويست) حيث حاولت السيدة اليهودية (أليزا دافيد) إغراءه بشتى الوسائل؛ وهي امرأة جميلة  جداً جندتها الصهيونية للنيل من (ديكنز). وبدأت عملية الإغراء، عندما بدأت تناقشه في طبيعة الأدب العالمي وما إلى ذلك، لتأتي، بعد ذلك، الدعوات والحفلات والزيارات والانغماس في أهواء النفس، فسلبت منه أمواله، بطريقة أو بأخرى، وعرض (ديكنز) منزله للبيع؛ وبالفعل تم البيع واشترى منزلاً متواضعاً في الريف، ليكتشف بعد ذلك أن هذه السيدة يهودية، وأن من اشترى البيت هو زوجها؛ من ثم بدأت تجابهه، وتضغط عليه باستمرار بعد أن استخدمت أساليب عديدة في إقناعه لتغيير صورة اليهودي في روايته (أوليفر تويست)، فرد عليها قائلاً: “إن (فاجين) في رواية (أوليفر تويست) يهودي لأنه حقيقي، لسوء الحظ، في زمن القصة، إن تلك الطبقة من المجرمين كانت تقتصر على اليهود، ولكن، بكل تأكيد، لا يوجد رجل عاقل أو امرأة عاقلة من دينكم يمكن أن يغيب عن أي منهما أن بقية شخصيات الرواية تنتمي إلى الدين المسيحي، فضلاً عن أنه (أي فاجين) يسمى باليهودي، ليس بسبب انتمائه إلى الدين اليهودي بل بسبب العنصر الذي ينحدر منه” وتقول الناقدة (جوليت شتين): ” إن السيدة اليهودية (أليزا دافيد) التي احتجت على تصوير (ديكنز) لشخصية (فاجين) اليهودي على هذا النحو، اقترحت على مؤلفنا أن يكفر عن (ذنبه) بالتبرع لإقامة دار استشفاء للمرضى اليهود. وعلى الرغم من أن (ديكنز) استجاب لطلبها، فقد اكتفى بالتبرع بمبلغ رمزي مؤكداً أن تبرعه لا يعني أنه يريد التكفير عن زرايته باليهود، ومدافعاً عن نفسه بأن أحداث روايته (أوليفر تويست) في وقت كان أمثال (فاجين) من الأشقياء والخارجين عن القانون ينتمون في العادة إلى أصول يهودية” وهكذا… وبعد قرن على وفاة تشارلز ديكنز ظهر في عام 1918 كتيب صغير بعنوان Charles Dickens and his Jewish characters  بتمويل صهيوني أدرجته الصهيونية العالمية للتمويه على الممارسات التي قامت بها السيدة (دافيد) ضده، يقول بأن ديكنز قرر أن يترك منزله في لندن ليسكن في (جادزهيل) فاشترته (دافيد) ولم تكن على معرفة به قبل ذلك، لكنها استغلت العلاقات الودية التي نشأت بينها وبين (ديكنز) نتيجة المعاملات المالية، فكتبت إليه خطاباً (مهذباً)!! للغاية احتجت فيه على تصوير اليهودي فاجين في الرواية (أوليفر تويست) على هذا النحو القبيح. ويعرض هذا الكتيب إلى أن ديكنز عندما أراد بيع منزله في لندن تقدم رجل أعمال يهودي هو زوج (أليزا دافيد) لشرائه، وكان ديكنز يتوقع من اليهودي ممارسة التسويف والمراوغة في دفع ما يترتب عليه من ثمن، إلا إن اليهودي كان صادقاً، كما يزعم هذا الكتيب، قي معاملاته المالية لذلك أقدم ديكنز على تصوير اليهودي في روايته (صديقنا المشترك) على أنها شخصية تتسم بالأمانة والإنسانية والإخلاص والرغبة في عمل الخير بعدما اقتنع بأن اليهودي ليس كما كان يتوقع، بل إنسان نبيل؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! هذا إضافة إلى العديد من الممارسات اللا أخلاقية التي مارستها الصهيونية ضد الفكر الحر في العالم بأسره.

الإعلانات
التصنيفات :بحوث استراتيجية

الاغتراب في الأدب الصهيوني


 

الاغتراب، عندي، هو حالة تمثل عدم القدرة على التأقلم مع المحيط. بهذا المعنى يكون الاغتراب في الأدب هو التعبير عن هذه الحالة تماماً، أما فيما يتعلق بالأدب العبري فنجد أن حالات الاغتراب عديدة، ولعل مفهوم الاغتراب في الأدب العبري هو علامة فارقة في هذا الأدب إذ إننا نلمسه في عدم القدرة على التأقلم مع الأرض، بداية لأنه يشكل جسماً غريباً عنها مهما لبس من أقنعة، يريد من ورائها الظهور على أنه منتم إليها. يقول الشاعر العبري يهونتان غيفن في قصيدته “أرض تأكل”:‏

“أرض تأكل مواطنيها بكل فم‏\

رأينا أرضاً كبيرة‏\

دخاناً أسود يرتفع‏\

إلى السماء”‏

(من مجموعته ماكوم لدأغاه ص13).‏

كما أن اختلاف المشارب التي نهل منها الأدباء العبريون والتي تعود إلى ثقافات مختلفة تنتج، برأيي، أدباً غير متجانس في الكلية، وهذه مشكلة وقف عندها الأدب العبري طويلاً ووجد الحل في أن يكون تابعاً للسياسة التي تجمعه، على اختلاف مشاربه، على أهداف معينة.‏

اعتمد الأدب العبري منذ القديم على القص التوراتي لتفعيله أيديولوجياً، وبعبارة أخرى: عزف الأدب العبري منذ القديم على موسيقا الدين، وهذه حالة تستدعي، حالة اغترابية كذلك، إذ إن الاعتقاد بأن اليهود هم أبناء الله وأحباؤه، وإن الله قد خلق (الأغيار بهذه الصورة البشرية كي يكونوا لائقين لخدمتهم)، لعب دوراً مهماً في عزل اليهود أنفسهم في غيتوات نمت فيها نزعة حاقدة على من هو غير يهودي، تبيح قتله وخداعه والكيد له بحجة الامتثال للطروحات الموجودة في موروثهم العقيدي، الأمر الذي دفع المجتمعات إلى نبذ اليهود، وهذه حالة اغترابية عبر عنها الأدب العبري في غير نتاج.‏

وثمة حالة اغترابية أخرى نجدها في التهكم على الله ولومه لأنه لا ينبري لنصرتهم ويخلصهم من الأغيار.‏

يقول موشيه بن شاؤول في قصيدته “نظام الغفران” المنشورة في جريدة معاريف في 23/12/1988 مخاطباً الله:‏

أنا في المنفى.. أسافر‏\

لا تغفر لي ولن أغفر لك\‏

قيمة القائد إن تخرق تسقط‏\

والقائد مريض‏ \

يغرس عينيه في كتاب قديم\‏

ماذا أغفر‏.

أما يهودا عمي حاي فيقول في قصيدة له عنوانها: “اليهود” والتي نشرت في جريدة يديعوت أحرونوت بتاريخ 12/5/1989:‏

وماذا بشأن الله؟‏\

وفق سنّة الطرد‏ \

من جنة عدن‏\

وبيت المقدس\‏

الله‏\

يرى أبناءه فقط‏\

مرة واحدة في السنة\‏

في يوم الغفران‏ \

…..‏

…..‏

اليهود‏\

ليسوا شعباً تاريخياً‏\

كما إنهم ليسوا شعباً أثرياً‏\

إنهم شعب جغرافي‏\

…‏

…‏

وتاريخهم يجب أن يقاس‏\

بسلم قياس آخر‏\

….‏ \

أنشدنا مرة‏ \

ليس كمثل الله\‏

والآن ننشد‏\

ليس لنا إله‏ \

لكننا نغني\‏

مازلنا نغني‏\

عمد الأدب الصهيوني، قبل قيام الكيان الصهيوني، وبعده إلى دعوة اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وترك موطنهم الأصلي، وتفتقت قريحة أدبائه بالكثير الكثير من النتاجات التي تصب في هذا الهدف، ولعل خير دليل على ذلك، قصيدة يوحنان غيشكلاي التي أسماها البشر “بالمسيح”، وأهداها إلى هرتسل يقول فيها:‏

أنا المبشر بالمسيح\

المسيح الذي لن تنتظروه بعد الآن‏\

إنه هنا، هاهو ينتظركم‏\

ومنذ الأزل، ينتظركم وحدكم‏\

المسيح هو أرض الأجداد‏\

…..‏ \

المسيح يدعوكم لحضنه لتغفو في حلم الآمال‏\

المسيح يجمع شتاتكم‏\

طوبى لك أيتها التوراة‏\

لأن شمس علتْ‏\

بدم هرتسل قمت للحياة‏\

وكذلك حاييم نحمان بياليك في “آخر موتى الصحراء” يقول:‏

قوموا تائهي الصحراء‏\

اخرجوا من القفراء‏\

كفاكم تحركاً، تشرداً، في الأرض القاحلة‏\

كي لا تغيظوا بخطواتكم الصحراء‏\

ونائميها‏\

كل شخص يسمع، بقلبه، صوت خطاه‏\

شخص بقلبه يسمع صوتاً يقول:‏\

“اذهب إلى أرض جديدة أنت اليوم ذاهب”.‏ \

أما أوري تسفي غرينبرغ فيقول في قصيدته “في تلك الليلة”.‏

هنا السهل،‏\

هنا مقر كارهي دافيد‏\

هنا التفكير بالفكرة؛‏ \

تقسيم الجسد إلى أشلاء‏ \

هنا التفكير بالفكرة:‏\

مدينة دافيد لأبناء الهلال والصليب‏\

لا جزء لنا فيها، كل صلاة وكل مال هباء.‏\

إن الدعوة إلى الهجرة إلى الأرض العربية بداعي أن هذه الأرض ليس لها أصحاب، كانت ديدن الحركة الصهيونية “إن هذه الأرض تفيض لبناً وعسلاً وما عليك، أيها اليهودي، إلا أن تهاجر إليها تطبيقاً شعائر الرب”.‏

ثم يكتشف هذا اليهودي أن هذه الأرض فيها أهلها، من ناحية، ويصدم لما جاء في التوراة من أن هذه الأرض هي اليهود، فيقوم بتصفية أصحاب الأرض الحقيقيين وتهجيرهم.‏

وهنا نوعان من الاغتراب:‏

الاغتراب أمام حالة أن الأرض لم تطرح مناً وسلوى، والاغتراب أمام حقيقة أن ثمة من يدافع عن هذه الأرض لأنها له ليأتي بعض الأدباء ومن بينهم حاييم حافير يحاولون طمس الحضارة العربية بأفواههم، فكانوا كمن يخفي الشمس بالغربال في قصيدته “نظريتهم وبراعتهم”‏

أعوام عديدة مرت على “نظريتهم وبراعتهم”.‏\

ما الذي لم يجر خلال تلك الأعوام‏ \

فلكيون تنزهوا على سطح القمر\‏

جيولوجيون أخرجوا الماء من الصخور\‏

مختصون بأمراض القلب زرعوا أوردة وأفئدة‏\

مهندسو وراثة صنعوا خلايا جديدة‏ \

وهناك، عندهم‏\

صمت الموت‏ \

صحراء خلقية‏\

ببساطة .. مستنقع‏\

ككل نظرية وصلت إلى النهاية‏\.

التصنيفات :بحوث استراتيجية

الوحدة 101


كانت نساء من قرية قطنة العربية يذهبن لجلب الماء من إحدى الآبار خارج القرية.‏
وصلت هذه المعلومات إلى (أريك شاينرمن) الذي كان يقود كتيبة احتياط في لواء القدس الذي كان يرأسه الصهيوني (مشآل شاحم)؛ شعر أريك بسعادة غامرة لأن قيادة اللواء أسندت إليه عملية (التصدي) لهؤلاء النسوة، بحجة أن عملهن هذا يشكل “مساساً بالسيادة الإسرائيلية”.‏
ادعى أريك أن الحدود بين مستوطنة (معليه خميشاه) وقرية قطنة العربية، غير مؤشرة بشكل واضح وأن سكان القرية يستغلون ذلك ويدخلون (المنطقة الإسرائيلية).‏
قام أريك بنصب كمين ليطلق النار على النساء العربيات وهن في طريقهن إلى البئر لجلب الماء. بينما تكون وحدة مدافع الهاون في حالة تأهب، لمواجهة احتمال إطلاق نار من الجانب الأردني عند إطلاق الكمين النار على النساء، وقام الكمين بقتل امرأتين من سكان القرية وهن في الطريق لجلب الماء.‏
في حزيران عام 1953 حصل (شاحم) على موافقة للقيام بعملية ضد قرية النبي صموئيل العربية التي يقيم فيها مصطفى الصموئيلي الذي كان يسبب إرباكاً لمجموعات التخريب الصهيونية.‏
حاول شاحم ربط قيادة لواء (جفعاتي) وقيادة كتيبة المظليين في تنفيذ العملية لكن القيادتين رفضتا ذلك فقرر التوجه إلى أريك.‏
قرر شاحم تشكيل وحدة خاصة للعمل وراء خطوط الهدنة تعمل على تسخينها باستمرار بعمليات استفزازية وطرح الفكرة أمام أريك الذي أعلن استعداده لقيادة الوحدة الخاصة.‏
قام أريك بجمع سبعة أشخاص من المخربين لتنفيذ عملية هدفها ضرب منزل مصطفى الصموئيلي. وحث شاحم أريك على تنفيذ العملية ليلاً وأقنعه بأن نجاح العملية ربما شقّ الطريق لتطبيق فكرة إقامة (وحدة انتقام خاصة).‏
فشلت المجموعة في مهمتها، وفي طريق انسحابها نسفت بيتاً صغيراً، وعاد أريك وجماعته إلى معسكر شنلر سعت 7 صباحاً.‏
طلب (نحميا آرغوب) السكرتير العسكري لرئيس الحكومة – وقتذاك دافيد بن غوريون – تقريراً من (مشآل شاحم) عن سير العملية ونتائجها ووصف شاحم العملية أمام آرغوب بأنها ناجحة تماماً، وسأله آرغوب:‏
-ما الذي يجب عمله في المستقبل حسب رأيك في هذا المجال؟‏
-إقامة وحدة كوماندو ثابتة.‏
-اكتب اقتراحك هذا خطياً وارفعه إلى رئيس الحكومة مع نسخة واحدة إلى رئيس الأركان.‏
في الليل، قام شاحم بإعداد اقتراحه وأرسله إلى دافيد بن غوريون ورئيس الأركان (مردخاي مكليف) وجاءت الموافقة.‏
منح أريك حرية كاملة في اختيار أفراد وحدته وكان الانضمام إلى الوحدة الجديدة يتم بناء على المعرفة الشخصية.‏
تجمع في معسكر صغير في (أبو غوش) بالقرب من القدس حوالي خمسين مقاتلاً صهيونياً، شكلوا وحدة مقاتلة، واختار لها أريك اسماً يحتوي على شيء من السرية هو: وحدة(101).‏
قامت الوحدة (101) بأعمال تخريب ضد أهداف عربية متنوعة.‏
بدأت في عام 1953 أولى مهامها وكانت شن هجوم على عرب العزازمة وأعملت القتل دون تمييز، وأخرى ضد مخيم البريج للاجئين في غزة؛ وعندما اعترض أحد أفراد الوحدة ويدعى (شموئيل فلاح) قائلاً: يجب أن نوجه قوتنا ضد أهداف عسكرية أجابه أريك: “يجب قتل الأطفال والنساء فهن زانيات يحرضن العرب ضدنا”.‏
ثم بدأ الإعداد لتدمير قرية (قبيا) بتدبير من شعبة العمليات. خرج (103) مقاتلين صهاينة في هذه العملية: سرية مظليين وحوالي 20 من الوحدة (101) مع ستمئة كيلوغرام من المتفجرات لنسف المباني وأبيدت القرية بسكانها بشكل كامل تقريباً.‏
ويذكر أن أريك كان يضحك عندما يرى أحد جنوده يعذب عربياً مسناً ويطلق النار عليه عن كثب.‏
قامت الوحدة (101) بقيادة أريك شاينرمن بجملة عمليات استهدفت السكان المدنيين وارتكبت مجازر فظيعة بحقهم.‏
كان التأييد لأريك يأتيه من موشيه ديان ودافيد بن غوريون وضمنا له مستقبلاً في الجيش الإسرائيلي؛ كان ديان سعيداً جداً بسبب قيام أريك بعملياته: “إنه قائد ذو روح قتالية، وأشعر بقرب منه؛ إنه جريء مثلي، إنه نتاج ناجح للوطن اليهودي”.‏
اختار بن غوريون لأريك شاينرمن اسماً عبرياً هو أريئيل شارون، وبمبادرة من ديان ودعم من بن غوريون انتقل شارون إلى المرحلة الثانية من حياته الإجرامية… قائد لواء المظليين.‏
والآن انظروا أين هو؟!! وما هول العذاب الذي أنزله الله به، وما حجم الإهانة التي يعانيها؟!! يرقد وقد تحول إلى هيكل عظمي، ولا شيء يتحرك به سوى قلبه الذي أراده الله شاهداً عليه في الدنيا، وليكون عبرة لمن يعتبر، وله في الآخرة عذاب أليم بإذن الله.
التصنيفات :بحوث استراتيجية

الفكر اليهودي.. تاريخ سياسي


 


لابد لنا قبل الولوج في دراستنا هذه حول الفكر اليهودي أن نستعرض جملة من المقدمات شكلت البنية الفكروية للقبلي اليهودي منها:

التناخ- توراة- نفيئيم- كتوفيم- تلمود- سنهدرين- جمارا- مشناه ومنه ناشيم المتفرع إلى يباموت، كتوفوت- نداريم- نازير- شوطاه- غيتين وكدوشين.

لقد عمل إدوين. م. رايت في قراءته السياسية للفكر اليهودي المنشورة بعنوان “التضليل الصهيوني البشع” والتي ترجمها إبراهيم الراهب على استكناه أغلب المعطيات الفكروية اليهودية في لبوسها السياسي.

فقد استطاع علم المعرفة والدراسات الحديثة أن تحلل هذه المراجع وتنتقد الخرافات والأساطير التي وجدت فيها، مما شكل خطراً على استمرارية اليهودية، الأمر الذي دفع بالحاخاميم إلى محاولات لتخليد الثقافة اليهودية وترسيخها بأن يتم تدريسها لكل جيل من أجل الحفاظ على المجتمع اليهودي منفصلاً عن المجتمعات الأخرى.

لقد تعرض الفكر اليهودي لحقبتين هددتا استمرار طقوسه:

أولاهما: كانت المرحلة الهلينية تحت حكم السلوقيين والحكام الإغريق، لقد وجد كثير من اليهود في الأقطار اليونانية والإغريقية الأكثر انفتاحاً وعالمية، فرصة للهروب من الأفكار والعادات اليهودية الاستبدادية والصارمة، لهذا تبنوا اللغة والأسماء والملابس اليونانية واندمجوا في المجتمع اليوناني الروماني، وجاء رد الفعل اليهودي على ذلك في ثلاثة أشكال:

-فريسييم: أكدوا بدرجة عالية على طاعة اليهودية وانفصالهم عن مجتمعات العالم.

-تساديكيم: شكلوا نوعاً من نخبة يهودية تشاركت وتزاملت مع حكامها اليونانيين- الرومانيين لكنها ظلت محافظة على ما توارثته من معتقدات دينية.

-حريديم: طوروا التزمت اليهودي.

في هذا الوقت بالذات ظهر سفران من التوراة: سفر دانيئيل الذي كتب بين 165-163 ق. م، خلال حكم أنطوخيوس الرابع الذي حاول إخماد الطقوس اليهودية، وكان لهذا السفر مغزىً أخذ مكانه في العودة إلى الحقبة الفارسية لكنه في الحقيقة يعود إلى الأيام الأخيرة للسيطرة السلوقية، تقوم فكرته على أساس “التمسك باليهودية.. وأن الله سيرسل مسيحه، مرة ثانية، ليعيد الأمة اليهودية إلى قوتها وهويتها”.

وبالتالي يكون دانيئيل رمزاً لليهود، الذي قاوم الاندماج في التجربة اليونانية؛ مما حدا بالحريديم أن يتخذوا هذا السفر مثلاً لهم نحو حل عسكري واحتقار الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي أنتج رد فعل روماني بقيادة “فاسبتيان” بين عامي 64-70م إلى عصر باركوخفا.

وثانية كانت عام 130 ق. م عندما ظهر سفر آخر أصبح تعبيراً عن وجهة نظر مجموعة من ال”تساديكيم” خدم كنموذج أم لطراز آخر من اليهودية، وهذا النموذج نراه جلياً في أيامنا هذه.

لقد أشار سفر (إستر) إلى مفهوم قوموي، يعود فيه الحوار وسياق روايته إلى القرن الخامس قبل الميلاد حيث الملك “أحشفيروش” ملك بلاد فارس من السلالة الأرخيمينية.

شخصيات هذا السفر تشكل منهج عمل فكروي يهودياً، وهي بإسقاطاتها تشكل حبل السرة في تعاطي اليهود مع الأغيار (الغوييم):

-هامان: يمثل القوى التي تكره اليهود

-استرومردخاي: يمثلان المجتمع اليهودي

-أحشفيروش: يمثل القوة الأجنبية التي يمكن أن يستخدمها اليهود لتحقيق أهدافهم النهائية.

استطاعت إستر أن تسقي أحشفيروش الخمر وتسكره، وهي حالة يكون، من خلالها، قد نسي مسؤولياته تجاه شعبه، ثم تحصل إستر على خاتمه لتصدر مرسوماً تحكم فيه على هامان بالموت وليصبح اليهود ظافرين بذبح عشرات الآلاف من الفرس (إستر 9: 5: 17).

إن فن المناورة السياسية بأية وسيلة هي قضية مبررة يهودياً، فقد وضع سفر إستر النموذج أمام ثيودور هرتسل، الذي كان هدفه إبراز مفهوم الدولة لليهود، لذلك أعطى نفسه مظهراً علمانياً على حين كان حريدياً صرفاً، لذلك قرر استخدام فكرة الدولة فقط ليناور بعض القوى العالمية من أجل إقامتها غير مبال فيما إذا كانت هذه الدولة مفيدة لتلك القوى أم لا، فقد كان عليه أن يجعل فكرة الدولة مغرية حتى يستطيع، من خلال ذلك الحصول على الدعم من تلك القوى بعد جعلهم ثملين بفكرة السيطرة على الشرق العربي.

ثم أصبحت هذه الفكرة مسكرة نهاية القرن التاسع عشر، حين اشتدت المنافسة بين القوى الأوربية في تلك اللحظة من التاريخ.

فقد كانت روسيا منذ عام 1685م قد دخلت 14 حرباً ضد الإمبراطورية العثمانية من أجل السيطرة على الشرق العربي الاستراتيجي مدعية أنها ورثت دور الإمبراطورية البيزنطية في القرون الوسطى.

وكانت إيطاليا متلهفة من أجل إعادة الإمبراطورية الرومانية القديمة وكانت تعمل من أجل غزو أثيوبيا.

بريطانيا العظمى كانت تسعى لتأمين سلامة طرق مواصلاتها إلى الهند وكانت، حديثاً، قد حصلت على قبرص كقاعدة للعمليات.

إن سفر إستر يضع الأدوار:

إستر: هي رمز القبيلة اليهودية وتحتاج إلى مردخاي (هرتسل) ليكمل دورها.

القوى الإمبريالية: رمزها أحشفيروش؛ وهامان يرمز للعرب. وهكذا تستطيع إستر الزواج من قوى إمبريالية وتجعلها ثملة بنبيذ السيطرة على الشرق العربي، إذ إن اتحاد الصهيونية مع أمة أجنبية قوية هي قضية مبررة.

إن مفهوم دولة يهودية تحكم منفذ هذه الطريق إلى الهند كان هدفاً مراوغاً والذي آمن هرتسل أنه يستطيع بيعه للأوربيين، وإذا ما استطاع إقناعهم بإقامة دولة يهودية في المنطقة-مرجحاً فلسطين- فإنه كان متأكداً من أن اليهود سيستجيبوا للهجرة إليها ولا حاجة لوضع أي اعتبار للعرب، الذين يجب أن يطردوا.

ويرسم هرتسل في مذكراته وكتابه (الدولة اليهودية) صورة دولة يهودية كبيرة ترث كل مناطق ممالك داود وسليمان، تسيطر على الشرق العربي، وكسمسار زواج كان عليه أن يزوج فكرة الدولة اليهودية إلى مسؤول أجنبي قوي، متجاهلاً ما يمكن أن يحدث لمثل هذه الدولة الإمبريالية بعد تأسيس الدولة، وعلى هذه الصخرة كانت قد بنيت كافة مخططاته، وهكذا فإنه وعد واحداً من أشد الناس عداوة لليهود وهو رئيس وزراء روسيا “فوت بليغا” سنة 1903 بأن الدولة اليهودية ستحل مسألتين لروسيا، فهي ستخدم روسيا كنقطة أمامية للإمبراطورية الروسية، وستأخذ كل اليهود إلى خارجها، ولقد فشل الخداع، لقد كان مخططو السياسة الروسية الاقتصادية والبشرية واقعين في شكهم من مثل هذه الخطة، وجهود بيع الدولة اليهودية إلى القيصر (ولهلم) فشلت لأن (ولهلم) الثاني كان يأمل بأن يقيم حلفاً مع الإمبراطورية العثمانية، وهذه لا تريد دولة يهودية في منطقتها. وكانت إيطاليا ترى أن هرتسل كان يبيع فكرة لا يستطيع تسليمها… وهكذا فشلت المحاولات.

كانت المملكة المتحدة البريطانية أكثر رغبة في إيجاد مستعمرة يهودية في كينيا- أوغندا لدعم غزوها الحديث إلى إفريقيا.

وفي عام 1904 مات هرتسل ولم يستطع سمسار الزواج هذا أن يزوج فكرة دولته اليهودية المخادعة إلى القوى الإمبريالية في زمنه، ومع موته وفشله كسمسار زواج لم تمت فكرته وانتظرت الصهيونية عشر سنوات لإيجاد ظروف أفضل وسمسرة أنجح، إلى أن أتى عام 1914- أثناء الحرب العالمية الأولى؛ وكان السمسار حاييم فايتسمان، والوقت كان الحرب بين بريطانيا من جهة وألمانيا والإمبراطورية العثمانية من جهة أخرى.

لم يكن فايتسمان قادراً على بيع فكرة الدولة اليهودية إلى المملكة المتحدة، فالزواج بين الاثنتين يضع المصاعب أمام المملكة المتحدة، ولكن وضع فايتسمان محظية يهودية فيه كان مغرياً، ذلك أن دولة يهودية تعني ربط معاهدات والتزامات، ومن هنا بدت فكرة الوطن القومي مغرية لأنها يمكن أن تصبح لعبة بريطانيا لتحقيق خططها في الشرق العربي والتي من الممكن إلغاؤها إذا ما برهنت أنها وقعت في عجز مالي وأنها تستدعي طلبات مكلفة وغالية.

كانت المعضلة التي تواجه بريطانيا هي أنها تلعب مع محظيتين هما: الوطن القومي اليهودي، والدولة العربية أو الدول العربية، آملة أن تحصل على مكاسب من الطرفين دون أن تصبح ملتزمة لأي منهما.

وهكذا اتكأ فايتسمان على محظية الوطن القومي اليهودي في وعد بلفور آملاً أن يتمكن أخيراً، كمحظية، من طرد المنافس العربي من الخطة الإمبريالية البريطانية، وتستطيع المحظية اليهودية، مع الزمن، أن تصبح زوجة للإمبريالية البريطانية.

إلا أن كل من المحظيتين طالبت بطرد الأخرى كما جاء في قصة إبراهيم وسارة وهاجر (سفر التكوين 21). وكان أن تم تفضيل الزوجة العبرية على المحظية المصرية، الفكرة التي حفرت في عقل كل طفل يهودي منذ مولده.

وهكذا قبل فايتمسان المساومة عبر اعتقاده بأن القضاء والقدر سيفضل اليهود.

إن أثر الأساطير التوراتية على اليهودية، قضية لم يبالغ فيها، وكانت الطقوس الدينية هي ما أوجده وتمسكوا به.

وقبل أن تحصل بريطانيا على محظيتيها (الوطن القومي اليهودي والانتداب على العرب) بوقت قصير، التحمت المحظيتان معاً وخاضتا صراعاً مميتاً. وإثر ذلك قامت بريطانيا بإرسال لجان متواصلة من أجل أن تهدئ الصراعات المتناقضة التي أخذتها على عاتقها؛ وفي عام 1939 كان الكتاب الأبيض الإنكليزي قد وجه ضربة قاتلة لحلم التجمعات اليهودية في طرد العرب في ظل الحكم البريطاني، لذلك كان لابد من قوة أخرى تلعب دور (أحشفيروش)؛ وبينما كانت بريطانيا عام 1917 نشوانة لتلعب بالطموحات اليهودية، تأكدت عام 1939 أن مصالحها تقع عبر علاقات طبيعية مع العالم العربي.

تطلع سماسرة الزواج، لذلك، نحو قوة أخرى يمكن أن تصبح زوجاً لفكرة الدولة اليهودية، وكان لدى الدول الأوربية تاريخ طويل في دفع الثمن الغالي في اللعبة الإمبريالية، لذلك لم توافق أي منها على اللعب في فكرة الدول اليهودية.

كان هناك قوة عالمية نامية وساذجة تماماً، وغير مدركة أو مضطلعة في قضايا الشرق العربي، هي الولايات المتحدة.

أرسل الرئيس ولسون عام 1919 مندوبين إلى سورية هما: تشارلس كراين وهنري كنغ ليتحققا من رغبات العرب المتحررين حديثاً. ولقد أشارا في تقريرهما أن العرب موحدون ضد الصهيونية لأنها خططت لطرد الفلسطينيين عبر إقامة دولة يهودية مطلقة. وأنه إذا ما قبل هذا المشروع فإنه يحتاج إلى 50.000 عسكري أميركي من أجل فرض هذا المشروع على العرب.

لقد حقق الصهيونيون نجاحات أثناء مرحلة الانتداب، فقد أصبح عددهم في فلسطين عشرة أضعاف عددهم عام 1919 واستطاعوا تنظيم أنفسهم، وتجهزوا بإمدادات عسكرية وقيادية عبر نمو الهاغاناه.

كانت المملكة المتحدة ضعيفة كقوة إمبريالية. ومن أجل طردها كانت هناك الولايات المتحدة القوة الناهضة مع تجمع يهودي عدده خمسة ملايين ونصف داخلها يشكلون حصان طروادة اليهودي الذي يمكن أن يوظف ويناور لتحقيق الحلم الصهيوني.

كان جهل الولايات المتحدة عن الشرق العربي تاماً. ولم يكن الأميركيون جاهلين فقط بل كان من السهل خداعهم أيضاً، لقد كان تمركز اليهود في المناطق الانتخابية الأساسية: نيويورك وبنسلفانيا، اليونز، أوهايو، كاليفورنيا، لذلك لعبوا دوراً في النتائج المستقبلية.

كان عام 1948 عام انتخاب قومي ومحلي، لقد بدت هذه السنة وكأن إله إسرائيل قد هيأ الولايات المتحدة عريساً (لإستر)؛ عام 1948 الدولة اليهودية تزوجت الدبلوماسية الأميركية- وهنا برز فريق قوي من سماسرة الزواج ليزوجوا دولة إسرائيل المقبلة مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

لقد قام بهذا الدور كل من حاييم فايتسمان، دافيد بن غوريون، الحاخام هللر سيلفر في كليفلاند، فليكس فرانكفورتير، الحاخام ستيفن وايز وعدد من الاستراتيجيين العاملين في الدولة والشؤون القومية، كانت لهم علاقات حميمية مع رجالات الكونغرس والسيناتورات وحتى مع الرئاسة.

في أيار عام 1942، وفي خندق بلتمور في نيويورك خرجت هذه المجموعة من سماسرة الزواج ببرنامج لتزوج إستر إلى حكومة الولايات المتحدة في علاقات وثيقة ثابتة. ومن خلال جهلها في إدراك النتائج تورطت الولايات المتحدة في دعم إقامة دولة يهودية بحيث لا تستطيع بعدئذ الانسحاب، لأن التجمع اليهودي في الولايات المتحدة سيشكل الضمانة لمثل هذا الحلف الثابت، وهكذا في عام 1946، وفي الاجتماع الأخير للمنظمة الصهيونية العالمية في سويسرا تم إبعاد فايتسمان كنموذج للعلاقات الصهيونية- البريطانية وتم انتخاب الحاخام هللر سلفر من الولايات المتحدة رئيساً جديداً للمنظمة.

لقد وضع صهيونيو الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على كاهل البيت الأبيض والكونغرس الذين استسلموا بدورهم إلى إغراءات الزواج بين إستر (الدولة اليهودية) والملك أحشفيروش (حكومة الولايات المتحدة).

إن اليهود في الولايات المتحدة يتفاخرون بمواقفهم الليبرالية، ولكن في المواضيع المتعلقة بإسرائيل يجدون أنفسهم متعصبين في دعم الدولة الصهيونية.

هذا التناقض سلط عليه الضوء البروفيسور اليهودي (كلوس. ج هيرمان) من جامعة كونكورديا مونتريال كوبيك عندما قال:

“بكل أسف إن وجهة نظر القدامى من اليهود الإصلاحيين حسب بيان مؤتمر بترسبورغ عام 1883 والتي ترى في اليهود مجتمعاً دينياً قد دمرت نهائياً بما أقامه الإصلاحيون في التاريخ المعاصر. إن هؤلاء الحاخامات قد صنعوا تقليداً دموياً، لقد فضلوا إحياء القصص الوهمية القديمة وخرافات العنصرية وأساطيرها وغيرها من العشائرية والرجعية والتعصب القومي”.

لقد شجع الرئيس الأميركي الأسبق (ترومان) قيام دولة يهودية في منطقة كان يسودها الفلسطينيون العرب، بل ودعمها، الأمر الذي أدى إلى إغراق المنطقة في حروب متواصلة ومذابح وحرب عصابات عدا عن مليارات الدولارات التي قدمتها الولايات المتحدة ثمناً لهذه الحروب.

ولنا أن نستشهد بما قاله البروفيسور (مكسيم رودنسون) عام 1973 في كراس كتبه يحمل اسم (إسرائيل دولة كولونيالية استيطانية).

إن تحليل رودنسون في هذا الكراس يقوم على أساس مقارنة الأفكار والأساليب الصهيونية كجزء من الممارسات الكولونيالية الإمبريالية الأوربية في القرن التاسع عشر، وكانت نظريته تقوم على أن القوى الإمبريالية كانت مؤمنة بأن الشعوب في المستعمرات التي تحتلها ستقوم بالثورة من أجل الاستقلال كما حدث في المستعمرات الإسبانية التي ثارت على المحتل الإسباني في القرن التاسع عشر وكذلك ثورة البرازيليين ضد المستعمرين البرتغاليين إضافة إلى تجربة الاستعمار في شمال إفريقيا إذ استطاعت الثورة أن تخرجه من الجزائر جاراً أذيال الخيبة، لذلك عمدت، هذه القوى إلى زرع مجموعات استيطانية في أماكن متفرقة من فلسطين، ومن ثم تنميتها لتؤدي مهامها المستقبلية في السيطرة على المنطقة.

إن الهدف الصهيوني يؤكد على أن السكان الأصليين يجب أن يطردوا خارجاً اعتماداً على سفر العدد: “وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم، ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها”.

لقد نظر الصهيونيون للعرب نظرة المستعمرين الأميركيين للهنود، ونظرة المستعمرين الإسبان والبرتغاليين للسكان الأصليين في أميركا الجنوبية وكذلك نظرة الألمان إلى الهوتنتوس في جنوب أفريقيا.

إن المدقق في تاريخ التوراة كفكر يهودي يدرك تلك الخطوط المتوازية بين تعابيرها الثيوقراطية وبين الاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر، مع فارق أن العرب لم يكونوا شعباً متخلفاً، بل كانوا ورثة حضارة وعبقرية عظيمة عانت من التحطيم المعنوي والإهمال تحت الحكم العثماني، لكنها كانت قادرة على الحياة والاستمرار عبر توارثها.

إن المرحلة التي استطاع فيها العبرانيون ذبح الكنعانيين وفرض قناعتهم المذهبية كما حدث في عهد السلالة الحشمونية أيام كانيوس والكسندر جانيوس، أو مرحلة الاستعمار الإمبريالي قد ماتت إلى الأبد، ومع ذلك حاول الصهيونيون استخدام كلا النموذجين من أجل إقامة الدولة اليهودية في النصف الثاني من القرن العشرين.

صاغ الصهيونيون في الولايات المتحدة شعاراً يقول “ما هو جيد لإسرائيل جيد للولايات المتحدة” وهذا اللحن الإعلامي وصل ذروة التضليل عندما أعلن رئيس اللوبي الصهيوني آي. ل. كين أمام لجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب الأميركي في 22-30 تموز عام 1970 أن: “وجود إسرائيل هو حماية متقدمة لمصالح أميركا النفطية في الخليج والعربية السعودية والكويت والبحرين وإيران”. وهذا ما نجده راسخاً في البنية الفكرية لدى الأميركيين بعدما استحوذت عليهم الأوهام الإسرائيلية وأسكرتهم تضليلاً إلى درجة لا يستطيعون معها معرفة ما هي المصلحة الحقيقية لشعوبهم، وهذا ما نجده بالفعل؛ فبقدر ما استمرت بريطانيا في إعطاء امتيازات لليهود كان البريطانيون “جيدين” ولكن عندما ظهر الكتاب الأبيض عام 1939 وأصبح ظاهراً فيه أن بريطانيا أصبحت مهتمة أيضاً بمصالح العرب، هاجم الصهيونيون بريطانيا، وباشروا بحرب عصابات ضدها.

الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة-فإذا هجرت مصالحها لصالح الصهيونية فهي (جيدة) بينما يكون اتهام الخبراء الذين يجادلون ويناظرون في أن للولايات المتحدة مصالح كبيرة وحيوية في العالم العربي، يكون اتهامهم بمعاداة السامية جاهزاً.

وفي الوقت نفسه هناك تقسيم آخر:

الصهيونيون الذين يذهبون إلى فلسطين هم (ممتازون، أنقياء، شجعان، مبدعون، أحرار) واليهود الذين تتاح لهم فرصة زيارة إسرائيل من الذين اختاروا البقاء في بلدانهم، يعيشون جواً سيئاً أثناء هذه الزيارة فيوصفون بالشراهة وحب المال، بل وينظر إليهم على أنهم كفوا عن كونهم يهوداً وبشكل نهائي؛ وهذا ما أكده هرتسل وفايتسمان وثنى عليهما بن غوريون عندما ذهب إلى تسجيل قول عالم يهودي في القرون الوسطى: “إن اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل يعيشون دون إله”.

فاليهودي لا يستطيع أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات كما يكون في (أرض إسرائيل)، يقول الحاخام اسحق كوك: “لا يستطيع اليهودي أن يكون مخلصاً وصادقاً في أفكاره وعواطفه وخيالاته في أرض الشتات كما يكون في أرض إسرائيل، بينما يكون خارجها مشوشاً، ملوثاً، غير نقي، وعلى أية حال، فكلما ازداد تعلق الشخص بأرض إسرائيل زادت أفكاره طهارة؛ لأنها حنيئذ تعيش في هواء إسرائيل الذي يحيي كل من يشتاق إلى الأرض؛ إذ ليس لليهودية في أرض الشتات وجود حقيقي، إلا بكونها تحيا بقوة رؤية مستقبلنا، وبذكرى مجد ماضينا، ولكن يجب أن ندرك أن هناك حدوداً لقوة هذه الرؤية لتحمل أعباء الحياة وتوجيه حياة الشعب، ويبدو أن هذه القوة قد استنفدت الآن طاقتها وأصبح يهود الشتات يتحللون بشكل مخيف، ولا أمل لهم بإعادة زرع أنفسهم والاعتماد على ينبوع الحياة الحقيقي المقدس، الموجود في أرض إسرائيل فقط”.

ويقول الحاخام يهودا أميتال في هذا الصدد، لكن بفلسفة مثالية مغرقة في الارتباط بأفكار مجردة لا علاقة لها بالعقلانية:

“إن الصهيونية لا تبحث عن حل لمشكلة اليهود بتشييد دولة يهودية، إنما بتشييد دولة هي أداة في يد الخالق الذي يعد شعب إسرائيل للخلاص.. وليس هدف هذه العملية تطبيع شعب إسرائيل ليصبح أمة مثل كل الأمم وإنما ليصبح شعباً مقدساً، شعب الله الحي” [Rubertstein The Zionist Revisited, P, 104 ]

لعلي أسهبت في رسم ملامح تأثيرات عقيدية بذلت جهداً كبيراً في استيضاحها فكروياً مع طرح حر اعتماداً على التاريخ وإنطاقه بحيثياته المختلفة.

يتلقى التاريخ، صهيونياً، تجييراً يهودياً، بمعنى: أي تاريخ سياسي قام في العالم يعده اليهود مأخوذاً عن برنامجهم العقيدي. ولعلي أحافظ على موقعي في نقاش سفر استر إذ توصلت معكم إلى تحديدات سياسية اعتمدها قص توراتي أباح سيرورة تاريخية من وجهة نظر صهيونية. عناصر الزواج معروفة ولابد لنا من التعاطي معها بعد طرح التقديم والذي أرجو أن يكون مناسباً- أعيد الآن تشكيل شخصيات السفر:

قدم المؤسس الأول لأميركا نصيحة للأميركيين في وصيته التي جاءت في خطابه بالمجلس التأسيسي الأميركي عام 1789:

أيها السادة:

“لا تظنوا أن أميركا نجت من الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها، فهي مازالت مهددة بخطر جسيم لا يقل خطورة عن الاستعمار… وهذا الخطر سوف يأتينا من جراء تكاثر عدد اليهود في بلادنا، وسيصيبنا ما أصاب البلاد الأوربية التي تساهلت مع اليهود وتركتهم يستوطنون في أراضيهم.. إذ إن اليهود بمجرد تمركزهم في تلك البلاد عمدوا إلى القضاء على تقاليد أهلها ومعتقداتهم وقتلوا معنويات شبابها بفضل سموم الإباحية واللا أخلاقية التي نفثوها فيهم، ثم أفقدوهم الجرأة على العمل وجعلوهم ينزعون إلى التقاعس والكسل، بما استنبطوه من الحيل لمنافستهم على لقمة عيشهم، وبالتالي سيطروا على اقتصاديات البلاد وهيمنوا على مقدراتها المالية، فأذلوا أهلها وأخضعوهم لمشيئتهم، ومن ثم أصبحوا سادة عليهم، مع أنهم يرفضون الاختلاط بالشعوب التي يعايشونها، حتى بعد أن كتموا أنفاسها، فهم يدخلون كل بلد بصفة دخلاء مساكين، وما يلبثون أن يمسكوا بزمام مقدراتهم، ومن ثم يتعالون على أهلها وينعمون بخيراتها دون أن يجرؤ أحد على صدهم عنها.

ولقد رأينا في الماضي كيف أذلوا أهل إسبانيا والبرتغال، وما يفعلونه اليوم في بولونيا وسواها من البلاد. ومع هذا كله جعلوا التذمر شعارهم حيثما وجدوا، والتشكك ديدنهم، فهم يزعمون أنهم مضطهدون، وأنهم مشردون.. ويطالبون بالعودة إلى فلسطين. مع أنهم لو أمروا بالعودة إليها لما عاد جميعهم ولظل الكثيرون حيث هم.. أتعلمون أيها السادة لماذا؟ لأنهم أبالسة الجحيم وخفافيش الليل ومصاصو دماء الشعوب.. فلا يمكنهم أن يعيشوا مع بعضهم البعض لأنهم لن يجدوا فيما بينهم من يمتصون دمه، ولهذا فهم يفضلون البقاء مع الشعوب الشريفة التي تجهل أساليبهم الشيطانية ليثابروا على امتصاص دماء أبنائها ولينهبوا من خيراتها، وللأسباب التي أوضحتها لمجلسكم الموقر، أتوسل إليكم أيها السادة أن تسارعوا في اتخاذ هذا القرار وتطردوا هذه الطغمة الفاجرة من البلاد قبل فوات الأوان ضناً بمصلحة الأمة وأجيالها القادمة، وإلا سترون بعد قرن واحد أنهم أخطر مما تفكرون، وستجدونهم قد سيطروا على الدولة، والأمة، ودمروا ما جنيناه بدمائنا، وسلبوا حريتنا، وقضوا على مجتمعنا، وثقوا بأنهم لن يرحموا أحفادنا.. بل سيجعلون منهم عبيداً في خدمتهم، بينما هم يقبعون خلف مكاتبهم يتندرون بسرور بالغ بغبائنا ويسخرون من جهلنا وغرورنا.

أيها السادة: لا تظنوا أن اليهود سيقبلون يوماً الانصهار في بوتقتكم أو الاندماج في مجتمعكم.. فهم من طينة غير طينتنا ويختلفون عنا في كل شيء.

وأخيراً أهيب بكم أن تقولوا كلمتكم الأخيرة وتقرروا طرد اليهود من البلاد، وإن أبيتم فثقوا أن الأجيال المقبلة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود.

بعد هذا التحذير نشطت الجمعيات البروتستانتية بمختلف ألوانها وأشكالها وبكل كنائسها من معمدانية ومشيخية، ولوثرية، وأصولية، وإدفنتستية، ومورمونية، ومتطهرة ومتطوحة، وأبرشية، وخلقانية، وخمسينية، وميثودستية وغيرها وغيرها، والتي يفوق عددها المئتي مذهباً، لنشر الفكرة التوراتية بين المسيحيين وإقناعهم بقداستها وبأن الخلاص الذي يرجونه هو عودة المسيح الثانية المشروطة بجمع الشتات اليهودي في أرض فلسطين على أمل أن يتحول اليهود بعدها إلى المسيحية إثر  معركة هارمجدون المنتظرة بين أعداء المسيح وأتباعه والتي ستجري في منطقة ماشك وتوبال كايين وهي المنطقة المحصورة بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

أرجو أن لا يفهم من كلامي هذا أن شخصيتي هامان وأحشفيروش تتطابقان هنا- أعني كيما يتم دفع اللبس، لبس فرانكلين بادئ ذي بدء وجه هامان وتحدث إلى الشعب الأميركي المستلب عقيدياً، وبعبارة أخرى لا يستطيع هذا الشعب الأخذ بكل ما يريده هذا الـ (هامان) ذلك أن أحشفيروش- الشعب الأميركي كان قد سكر تضليلاً عقيدياً.

أعتقد أنني أمام مفارقة هنا:

في الوقت الذي تلعب به التوراة دور إستر، لتضليل الشعب الأميركي أحشفيروش؛ برقصها على حبال الجمعيات إياها تتأتى من التوراة قصتها؛ بمعنى أنه في الوقت الذي تملي به التوراة عقيدياً إملاءاتها على أحشفيروش في لحظة ما، يكون الزمن التوراتي في حالة نكوص ارتدادي في القصة؛ وبعبارة أخرى: كيف يمكن لقصة موجودة تحكي رموزاً بعينها أن تلامس حقيقة موجودة على الأرض أو بالعكس- أثناء لعب الأدوار: إستر- التوراة- أحشفيروش الشعب الأميركي، هامان- فرانكلين.. أمامنا على المسرح يتوقف الزمن على هذا المشهد ليعود سنوات طويلة إلى الوراء-هذا المشهد بكليته، وحال المشهد الصورة في جمود مطلق محتوى في الكتاب الذي تحدث هو نفسه عن هذه القصة منذ القديم!!.

“إن يهوه، إله السموات يدعو الأمة الأميركية أن تهب برسلها سريعاً لإغاثة أبنائه المشتتين، بني إسرائيل، فهبوا يا رسل أميركا وأعدوا أنفسكم لتحملوا أنباء الفرح والخلاص لأقرباء مخلصكم مما هم فيه من ذل وشتات”.

ثم يتابع الباحث الأميركي بيتر غروس في كتابه “إسرائيل في ذهن أميركا” أقوال القس جون ماكدونالد: “إنه مقضي أن تقود أميركا المسيحية أمم الأرض، وتبعث بنيها وتستخدم ثروتها لتنفيذ مخطط الله على الأرض.”

وفي الكتاب نفسه يذكر المؤلف أن القس المرموني أورسون هايد أعلن أن فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين تزداد قوة وترسيخاً وانتشاراً. فـ”العجلة العظيمة قد بدأت تدور، ويقول الرب القدير على كل شيء، إنه لن يقف في طريقها أي شيء”.

ثم إن الباحث الأميركي هنري فاينجولد يذكر إن وارد رد كريسون وهو من طائفة (الكويكرز) وهو أول قنصل أميركي عين في القدس عام 1844 قد صرح: “إن الرب يساعد على وجوب إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين”.

أما أشد دعاة البروتستانت، كما يذكره بيتر غروس فهو وليم بلاكستون من الكنيسة الميثودستية إذ جاء في كتابه: “يسوع قادم”، الصادر عام 1878 ما يلي: “إن الله قد أبقى على اليهود لأنه أرادهم أن يكونوا شعبه المختار، ومن الشذوذ في فلسطين أنها أرض بغير شعب، لذا يجب أن تعطى لشعب من غير أرض، وعلى الدول التي وقعت اتفاقية برلين سنة 1878 وأعطت بموجبها بلغاريا للبلغار، وصربيا للصرب، أن تعود وتعطي فلسطين لليهود الذين أجلاهم الرومان عنها منذ سبعة عشر قرناً.”

لدعم فكرته هذه قدم بلاكستون سنة 1891 للرئيس الأميركي وليم هاريسون عريضة بهذا المعنى موقعة من أربعماية وثلاث عشرة شخصية من كبار المسيحيين النافذين. وقد ارتكز مؤتمر بال عام 1897 على هذه العريضة.

بعد مؤتمر بال وبسبب عدم إصرار ثيودورهرتسل على فلسطين كوطن قومي ونهائي لليهود، قامت عليه قيامة المسيحيين الأميركيين المتهودين ومن بينهم المستر بلاكستون الذي قام بزيارة هرتسل وأهداه نسخة من الكتاب المقدس وقد أشار فيه إلى الفقرات التي تحدد الوعد الإلهي بفلسطين، دون غيرها، كوطن قومي لليهود.

ولا تزال هذه التوراة محفوظة في ضريح هرتسل وهي مفتوحة على الصفحات المشار إليها، وذلك تخليداً لذكرى بلاكستون المسيحي، الأشد ولاءً للصهيونية من مؤسسيها أنفسهم.

اشتدت المنافسة بين القساوسة من سماسرة اليهودية في قلب الدين المسيحي على رفع أصواتهم في محطات التلفزيون من أمثال: جيمي بيكر، وجيمي سواغرت، وبات روبرتسون، وجيري فالول وغيرهم وذلك لكسب الود اليهودي. ففي كتابه: “اسمعي يا أميركا” [Listen America] الذي عنونه مؤلفه القس التلفزيوني جيري فالول مشابهة لما تبدأ به صلاة الشيمع عند اليهود، دعا فيه المسيحيين لجمع الشتات اليهودي في فلسطين إعداداً لمجيء المسيح المنتظر، وقد جاء في كتاب بول فيندلي [They Dare to Speak out] أن جيري فالول قال في خطبته أمام حشد من اليهود: “إن اليوم الذي سيستحيل فيه انتخاب أي مسؤول أميركي غير موال لإسرائيل يقترب بسرعة”. لقد وصل هذا اليوم بالفعل وأصبح قول جيري فالول حقيقة واقعة يعرفها الشعب الأميركي ويعيشها. وبذلك أيها السادة يكون نموذج فرانكلين قد قتل ولم يعد له وجود- دور هامان عبر سيرورة معينة تم تحييده من اللعبة ليعود التضليل الخمر تدار لتحقيق مزيد من المكاسب يهودياً: إن في ترسيخ مقولة إن إسرائيل هي مفتاح أمان بقاء أميركا من شأنها أن تعيد بناء الأدوار من جديد.

يذكر القس هال لندسي، عميد منظمة تاف للقساوسة الإنجيليين والصديق الحميم للرئيس رونالد ريغان، في كتابه: [The Great planet, Earth] الصادر سنة 1980 عن دار بنتام في نيويورك: “إن العالم سيفنى في هارمجدون التي أصبحت على الأبواب وستكون نتيجة هذه الحرب اجتماع شمل اليهود في فلسطين، وسيعاد بناء الهيكل وتسود إسرائيل على الأمم”.

بناء على هذه الأفكار نشرت مجلة ساندييغو ما غازين الحديث الذي جرى بين الرئيس رونالد ريغان ورئيس تحرير المجلة الصحفي جيمس مايلز أثناء الغداء الذي أقيم في ساكارمنتو تكريماً للرئيس ريغان؛ أعلن ريغان أنه مقتنع أن معركة هارمجدون ستقع حتماً بسبب الأزمة الليبية. وقد أوردت السيدة غريس هالسل هذا الحديث في كتابها: “النبوءة والسياسة”؛ كماإنها تذكر قولاً للبروفيسور فرنكلين ليتل وهو من قساوسة الكنيسة المنهجية أطلقه في مؤتمر القيادات المسيحية الداعمة لإسرائيل وفحواه ما يلي: “كون المرء مسيحياً يعني أنه يهودي وبأن واجبه الأول أن يضع دعم أرض إسرائيل فوق كل وأي اعتبار آخر” [القراءات الملعونة- جود أبو صوان- د. ن- الطبعة الماسية- 2003 ص 73- 74].

وبناء على دراسة منظمة تاف لموقع هذه المعركة ووقتها، عاد الرئيس ريغان عن حربه ضد ليبيا، لأن موقع المعركة المذكور في التوراة هو منطقة ماشك وتوبال كايين، وهو لا ينطبق على ليبيا.

هذا الترابط بين الفكر الأميركي المتأثر بالتوراة وبين اليهود يؤكده الكاتب والباحث الأميركي بيتر غروس في كتابه: “إسرائيل في ذهن أميركا”، إذ يقول: “إن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل يضمهما عناق حميم في سياق علاقة خاصة، وسواء كانت إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية أصلاً استراتيجياً أو مشكلة استراتيجية فهي مثل أعلى مغروس بعمق في الفكر الأميركي منذ السنوات الأولى لظهور أميركا في العالم الجديد”.

أما عن تأثير التوراة على عقل الشبيبة الأميركية فتقول المؤرخة اليهودية الأميركية باربارا توخمان في الصفحة المئة في كتابها “التوراة والسيف” [The Bible and Sword] الصادر سنة 1984 “إن صهيونية بلفور نتجت عن انكبابه في أيام صباه على دراسة العهد القديم بدفع حثيث من والدته المتدينة جداً.”

ما من أداء عنصري ممكن أن يجاري الحركة الصهيونية. إن قراءة النص الذي يعده البعض مقدساً إنما هو منهج لأداء سياسي صرف.

فإذا كان المفهوم (صهيونيّة) يعني، فيما يعنيه، إقامة دولة ((للشعب اليهودي)) والارتباط بها، فإن الثقافة الصهيونيّة هي باعث هذا المفهوم ومسوغه، وبذلك تكون التربية الصهيونية هي التربية القائمة على استمرار هذا المفهوم عبر الأجيال، والداعية إليه.

إذاً، يكفي المرء أن يقول بدولة لليهود مرتبطة بصهيون حتى يكون صهيونياً، وذلك بصرف النظر عن اعتناقه الديني أو (و) الأيديولوجي؛ وبعبارة أخرى: لا يعد المرء صهيونياً إلا إذا اعتنق هذا المفهوم أو (و) عمل له مهما كان اعتناقه الديني أو (و) الأيديولوجي.

ولنا أن نقول بأن ليس كل صهيوني هو يهودي ولا كل يهودي هو صهيوني: فقد لا يكون الذي يعمل على المشروع الصهيوني يهودياً, وقد لا يكون، بالمقابل، كل من يدين باليهودية صهيونياً؛ إذ إنه قد لا يؤيد دولة للشعب اليهودي مرتبطة بصهيون، ولا يربط وجوده بوجودها. لذلك، ترانا، على سبيل المجموعات أمام المجموعات الآتية:

مجموعة صهيونية تضم عناصر يهودية وغير يهودية وأخرى يهودية تضم عناصر صهيونية وغير صهيونية؛ التقاطع بين المجموعتين يشكل، من بين ما يشكله، مجموعة يهودية صهيونية بمعنى أنها تعتنق اليهودية وتدعو إلى إقامة دولة لليهود مرتبطة بصهيون وتربط وجودها بوجودها، سواء عاشت فيها أم لا.

الثقافة التي تفرزها مجموعة التقاطع هذه تبيح تربية وتعليماً يقدمان لاستمرار مفهوم هذه المجموعة وتوارثه عبر الأجيال.

قد تنطلق بين الحين والآخر أصوات يهودية صهيونية تقول بحقوق العرب في العيش بسلام إلى جانب (إسرائيل)، وقد يتم الإعداد لأداء صهيوني (نادم) على ما فعل بالعرب!!! كأن يكتب أديب صهيوني قصيدة تقول بأن العرب ظلموا؛ أو أن يصدر فيلماً صهيونياً ينتقد بعض الممارسات الصهيونية من حين لآخر، بل ويمكن أن يصور بشاعة الأداء الصهيوني كذلك…. ولكن حتى هذا الأداء إنما هو، من وجهة نظري أداء سياسي تقتضيه مرحلة سياسية ما، وقد يدس سماً فكرياً يبرئ الممارسة الصهيونية، كأن يقول بأن الصهاينة لم يشاركوا في قتل العرب بل إن العرب لديهم نسب بهجة لمنظر الدم بصرف النظر عن صاحبه، ويكون التعاطي الصهيوني مقتصراً علي ما يسمونه التضحية بالروح من أجل فك اشتباك العصابات العربية المتنازعة، ولا بأس،صهيونياً،من الاعتراف بذنوب يعدها الغرب صغيرة كي يعطي ما يشبه المصداقية لهذا الطرح أو ذاك. وكلنا تقريباً سمع أو شاهد الفيلم الصهيوني (الرقص مع بشير) الذي يطرح مفهوماً تضليلياً خطيراً مفاده أن الصهاينة براء من دم الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا. ليس هذا وحسب بل ويصور الجندي الصهيوني إنساناً يمكنه أن يشعر بالذنب حتى لعدم تدخله في إيقاف قتل أعدائه بعضهم بعضاً.

فيأتي الرأي العام الغربي ليصادق عليه ويعده فتحاً ديمقراطياً إذ ينتقد الجندي الصهيوني عدم تدخل حكومته لمنع قتل أعدائه بعضهم بعضاً إلا في اللحظات الأخيرة مطهراً الأداء الصهيوني المرتكز على ذاك الفكر أمام الغرب من عمليات القتل الممنهج التي مارسها ويمارسها الجندي الصهيوني.

بل وقد تنطلي هذه الحيلة كذلك على بعض الباحثين العرب. لذلك أدعو رفاقي وزملائي من باحثين وكتاب وأدباء إلى التنبه من عمليات الاحتواء التي يحاولها هذا الأداء بطروحاته.

أما الآن، أيها السادة، ونحن في هذه الظروف، التي باتت لا تخفى على أحد نجد أن الصهيونية قد وصلت إلى نتيجة مفادها: أن عصا موسى لم تعد تفي بالغرض نتيجة الرغبة الجارفة لدى العرب الفلسطينيين في التحرر، وتعاطف الرأي العام العالمي مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني، الأمر الذي أظهر إسرائيل كمن يجلس على فوهة بركان، وإن هذه الأبخرة المتصاعدة من فوهته، لهي الدليل على نشاط القوى الموجودة داخله والتي من شأنها اقتلاع الفوهة برمتها عند انفجارها.

فكان لا بد للصهاينة يهوداً و غير يهود من أن ينتصبوا عصا صهيونية في المنطقة، قادرة على شق البحر متى أرادت إسرائيل، ضاربين عرض الحائط بكل المصالح الحيوية لشعوبهم وذلك خدمة لمصالح هداسا إستر.

التصنيفات :بحوث استراتيجية

الفكر والممارسة في النظريتين الصهيونية والنازية


إن تماهياً مطلقاً بين الصهيونية والنازية، من شأنه أن يقرأ في حال سلطنا الضوء على منطلقات فكرية تبنتها كل من النظريتين، تستشرف البناء الكارثي في التعاطي مع الإنسانية وثوابت المنطق.‏

لقد استمدت النازية منطلقاتها النظرية من الحركة الصهيونية، التي باركتها وأقامت علاقات معها ونقول إن النازية اعتمدت فكرياً على الصهيونية، وهذه اعتمدت ممارسة على طريقة تعاطي النازية مع مفهوم (المواطنة).‏

فالعرقية، ونقاء الدم، وتفوق الجنس، هذا الثالوث غير المقدس، شكّل نقاطاً مفتاحية في عملية تطابق الحالتين.‏

لقد كانت جدران قاعة (هوفبراوهاوس)، ‏ (Hofbrauhaus)

في قلب مدينة ميونيخ تعيد صوت صدى أدولف هتلر زعيم الحزب النازي وهو يحاول تحديد سمات المواطن الألماني قائلاً:
“Staatsburger kann nur Sein, wer Volksgenosse ist, volksgenosse kann nur Sein wer deutschen Bluted ist ohne Rucksichtnahme auf Konfession. Kein jude kann daher Volksgenosse Sein”

“المواطن هو ذلك الإنسان المنتمي عرقياً إلى الشعب، ولا يمكن أن ينتمي عرقياً، إلا إذا كان الدم الألماني يسري في عروقه وذلك بغض النظر عن مذهبه، ولذلك فإنه لا يمكن لأي يهودي أن يكون مواطناً ألمانياً”.‏

أعلن النازيون في آذار عام 1933 مقاطعة اليهود رسمياً وبدأ التنفيذ في صباح اليوم الأول من نيسان، وكانت هذه المقاطعة دعائية من خلال الصحف، إلى أن أصدر الحكم النازي قوانينه المعروفة باسم (قوانين نيرنبورغ) (Nurnberger Gresetze)، وسلط الضوء على قانون حماية نقاء الدم والشرف الألماني الذي حرم الاتصال الجنسي والتزاوج مع اليهود، وبعد (فضيحة ميونيخ) [عندما تخلت بريطانيا وفرنسا عن التزاماتهما في الدفاع عن تشيكوسلوفاكيا أمام الأطماع الهتلرية في التوسع]، نشط هتلر في سياسته الداخلية ضد اليهود، ووصلت القمة في نوفمبر 1938، وعرفت باسم (رايخ شكريشتال ناخت) (Reichskristallnacht) ونفذ (هايدريخ) (Hydrich)، قائد فرق العاصفة (Storm Abteilung) [S.A] (شتورم أبتايلونغ)،
أوامر القيادة النازية في الهجوم على اليهود، وانتهت مراحل ملاحقة اليهود في ألمانيا خاصة في سبتمبر عام 1942، باقتلاعهم نهائياً من ألمانيا عن طريق التهجير والنفي والاعتقال.‏

كافحت التجمعات غير الصهيونية من اليهود ضد سياسة هتلر وأرادوا أن يستمروا في العيش في ألمانيا؛ وضد الحركة الصهيونية كذلك، التي رأت أن حل المسألة اليهودية يكمن في تهجير اليهود إلى فلسطين وليس بالانصهار في المجتمعات التي يعيشون فيها، فالصهاينة في ألمانيا لا يعدون أنفسهم مواطنين بل (يهود) يحملون الجنسية الألمانية، لذلك دعت الحركة الصهيونية إلى تهجير اليهود الألمان وحاربت اندماجهم واتفقت، بذلك، مع النازية التي أرادت التخلص منهم.‏

لقد عبر (آرثر رؤوفن) أحد زعماء الصهيونية في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني السادس عشر في زيوريخ عام 1929، عن ذلك بقوله:‏

“إن انصهار اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها يعد تحطيماً لليهودية”، وقد عبر عنه كذلك ناحوم غولدمان بقوله: “إن الخطر الذي يشكله انصهار اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، أقوى من الخطر الخارجي عليهم”.‏

فحين تظاهر بضع مئات من أعضاء الحزب النازي بتاريخ 20/أيار/عام/ 1932، مطالبين بإخراج اليهود من ألمانيا، قابلتهم مظاهرة نظمتها الصهيونية طالبت بإخراجهم إلى فلسطين.‏

عملت النازية على ضرب جميع المنظمات اليهودية، وسمحت فقط للحركة الصهيونية أن تعمل بحرية في ألمانيا، مما شكل ضغطاً على يهود ألمانيا فانضموا إلى الحركة الصهيونية تخلصاً من العواقب، وقد بارك هتلر شخصياً النشاط الصهيوني وتعاون مع الحركة الصهيونية، وجاء على لسان (يوليوش شترايخر) رداً على سؤال فيما إذا كان شارك في وضع القوانين في مؤتمر الحزب النازي، أجاب: “لقد طالبت بالحؤول دون اختلاط الدم النازي باليهودي، وعلينا أن نتخذ السلوك اليهودي في هذا المجال نموذجاً، لقد استعنا بالقوانين اليهودية في صياغة قوانين نيرنبورغ ذلك أنها استطاعت أن تستمر قروناً في حين انهارت جميع القوانين الأخرى”.‏

كما أن اتفاق (هاعفرا) (Haavaah)، الموقع في آب 1933 بين الحزب النازي والصهيونية شكل منعطفاً في صياغة نماذج مصالحة بين المصالح، وتم إنشاء شركتا (Haavarah Company)ـ (هاعفرا كومباني)، في تل أبيب و(Balteu) في برلين، وكان كل من يريد الهجرة من اليهود الألمان يدفع مبلغ ألف جنيه استرليني لقاء الموافقة على هجرته ويستعمل هذا المال لتحقيق خرق الحصار الاقتصادي المضروب ضد ألمانيا، عن طريق شراء منتوجات ألمانية وبيعها عن طريق الوكالة اليهودية، وبالمقابل تحقق الصهيونية ما تسعى إليه في نقل اليهود إلى فلسطين الذين كان عليهم أن يدفعوا ألف جنيه استرليني للإنكليز عن كل يهودي للسماح له بالبقاء فيها.‏

وهكذا مكنت هذه الاتفاقية من تنظيم هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين وتوفير رصيد العملة الصعبة في بنك الرايخ، إضافة إلى زيادة حجم الصادرات الألمانية. وقد وصل مجموع الأموال التي أُرسلت إلى فلسطين نتيجة لهذه الاتفاقية إلى 6.7 مليون رايخ مارك عام 1934 وفي العام التالي، ارتفع إلى 31.5مليون رايخ مارك.‏

فالصهاينة يتماهون سلوكاً إجرامياً، وتوظيفاً حاقداً يتبدى جلياً في حيثية سوداء تقدم رموزاً عنصرية شوفوأيديولوجية في حَراك (هيدوني) في ساحة الموت للعرب.‏

وصف دافيد بن غوريون مناحيم بيغن أنه تلميذ هتلر وأراد أن يصرف، بذلك، النظر عن شخصيات نازية هي أعمدة الفقار لمجتمع صهيوني.‏

لقد أدرك الصهاينة أن الشكل (الإنساني) المزعوم للكيان الصهيوني، لم يعد بالأمر المسلم به، كما كان سائداً في صفوف البعض في الغرب، بل على العكس تماماً، شكل بدائي، شكل لِـ”نحن” العرق الأسمى، يعمل على التوسع باستمرار على حساب “هم” أصحاب الأرض؛ ووضعوا في حسبانهم أن الأمر قد ينجلي عن فشل كبير، فصوتوا للجيل الشاب، ليضعوا على عاتقه مهمة إقناع العالم بأن الكيان الصهيوني ليس نازياً، وتساءل علماء الدين اليهودي: “كيف جرى ذلك؟ كيف فشلنا؟.. أين انتشت بذور أيديولوجية بنيامين زئيف هرتسل وبرل كتس نلسون، وزئيف جابوتنسكي؟! وهل تعاون الجمع الإسرائيلي في الصراع؟ أم انسحب؟ هل تبرع إيجابياً؟ أ م سلبياً؟ أم إنه لم يتبرع مطلقاً؟”..‏

على ضوء هذه الأسئلة الملحة نشبت حرب لبنان التي أشعلها أريئيل شارون وجرى تقييم الشخصيات الصهيونية من خلال علاقتهم بهذا الحدث ونفذت في بيروت مذابح /صبرا وشاتيلا/.‏

كان بيغن يشكل موضوعاً لظنون لا نهاية لها، عندما اعتكف في شارع (تسيمح) حيث مقره فيه يطل على المنظر الذي كان اسمه يوماً دير ياسين.‏

أصيب بيغن باكتئاب نفسي، على حد الزعم الصهيوني، الأمر الذي منعه من فعل أي شيء أو أن يعمد إلى أية مبادرة، ودارت في هذا الإطار عدة أسئلة: “هل أصيب بيغن بهذا المرض فجأة؟ أم تطور على مر السنين؟ وهل يعقل أن تكون لديه مشكلة نفسية منذ الطفولة وازدادت في السنوات الأخيرة؟ ذلك أن القرارات التي أثرت في حياة الكثيرين تم اتخاذها، ببساطة، في الوقت الذي لم يكن به قادراً على اتخاذ قرارات متزنة؟”…‏

بات بيغن يشكل ورقة محروقة، ولا مناص من تحييده واتهامه بالجنون أمام الرأي العام العالمي.‏

كان من شأن هذا الفراغ أن يملأه، وريث بيغن /يتسحاك يزرنيسكي/ الملقب بـ(شامير) فقد قام بيغن نفسه بانتقاء شامير قبل عدة سنوات، وأعده لهذه الغاية، كان يرى بـ”شامير” ممثلاً للعائلة المحاربة”.‏

كان شامير بولونياً، عضو منظمة (بيتار)، عضواً في منظمة (ايتسل) وكان بيغن مستعداً لأن يسامح شامير على استقالته من (ايتسل) وذهابه وراء (أبراهام شتيرن)، زعيم عصابة ليحي، وبناء على البروتوكول السري نفسِهِ الذي خضع له بيغن في التحييد، جرى تحييد أبراهام شتيرن بقتله في بيته ثم ربطه إلى كرسي خشبي لأنه رفض العمل بمضمون هذا البروتوكول ولم يتنازل عن زعامة ليحي لشامير، وبدا الأمر على أنه قُتِلَ على يد القوات البريطانية التي هرعت إلى المكان بعد أن تلقت اتصالاً يحدد مكان شتيرن بدقة.‏

كما جرى تحييد شارون بناء على البروتوكول السري نفسه في البند المخفف على الدرجة (دالت) بعد إدانته من قبل لجنة تحقيق، كأحد المسؤولين عن مذبحة صبرا وشاتيلا، ليعود عضواً في الكنيست بأصوات شريحة كبيرة من اليهود، شأنه شأن من يقتل العرب ويتبارى في إزهاق أرواحهم، ليصبح زعيماً لعشيرة (إسرائيل).‏

ولا عجب في هذا، على الإطلاق، فقد دخل الكنيست إضافة إلى العديد من هؤلاء: رفائيل ايتان الذي شغل وظيفة هامة في الأحداث التي أدت إلى هذه المجازر والذي ينادي بسجن العرب “كحشرات مخدرة في قارورة مغلقة”، ومئير كوهين أفيدوف الذي أعلن صراحة: “يجب أن نمزق بطون المشبوهين العرب وأن نفقأ عيونهم قبل وقوفهم أمام القضاء”.‏

وشموئيل فلاتو شارون الهارب من السلطات في مسقط رأسه /فرنسا/، إضافة إلى مئير كاهانا، والسباق على أشده في الكنيست إلى لقب يزركش مقاعدها، يهودي ـ عنصري ـ نازي.‏

كان كاهانا يزور المدارس والجامعات في الكيان الصهيوني ويعلن باستمرار عن ضرورة عدم قيام علاقات بين يهود وعرب وطالب بفرض عقوبة السجن على اليهوديات اللائي يقمن علاقات جنسية مع العرب وعلى العرب الذين (يغررون باليهوديات) على حد زعمه، ولنا أن نقارن هذا بالطرح الذي جاء به هتلر: “الولد اليهودي أسود الشعر يتربص ساعات طويلة بفتاة ألمانية بريئة، يدنسها بدمه ويسرقها من شعبها”.‏

جاء في كتاب (أشواك في عيونكم) لمئير كاهانا، أن “الانحراف الجنسي لدى العرب يمكن تفسيره على النحو الآتي:‏

“جرائم الجنس التي يقوم بها العرب ضد النساء اليهوديات نابعة من مرض مستعصٍ لديهم، إضافة إلى رغبتهم في مهاجمة العدو وإخضاعه، وكلما ازدادت نسبة العرب في المناطق اليهودية، ازدادت، بالمقاييس نفسها، الجرائم بشكل عام، والجنسية منها بشكل خاص ضد اليهود”.‏

كما طالبت الصهيونية بإدارة مداولات مع العرب على أساس اعترافهم بالسيادة اليهودية أو طردهم وهنا، تطابق مع عبارة (Herrenvolk) النازية التي تعني (الشعب السيد).‏

لقد شكل ا لزعيم في كل من الحالتين الصهيونية والنازية ظاهرة استلاب أو استحواذ (إيرغريفن هايت) (Ergriffenheit) كما إن مفهوم الإله لدى كل من الحالتين يشكل نموذجاً متطابقاً، إذ يُعَدُّ معطىً جرمانياً في الحالة النازية ومعطىً يهودياً في الصهيونية وتشتركان بالتوكيد على العرق والتراث والدم والتراب، كأبناء الله والعرق الأسمى أو السيد؛ وكما يعتمد الجرمانيون على لازمات لا معنى لها تنشدها عذارى الراين في دورة “خاتم فاغنر” (واغالاويا)، و(رحلة ولكيري)، و(الفجر الشمالي النورديكي مصباحاً)، يعتمد الصهاينة على (نشيد الأمل) وتفسيرات (المباحث العقيدية، (و(عودة صهيون) و(مآسي التيه).‏

كل هذا يشكل المشهد الذي لا غنى عنه صهيونياً ـ نازياً يعني في العمق شيئاً واحداً: إله توتوني استحوذ على الجرمانيين ويهوه المستحوذ على اليهود.‏

يشكل الإله حالة(Totality) على مستوى بدائي جداً، أي شرطاً سيكولوجياً، تكون فيه إرادة الإنسان متواحدة مع إرادة الإله.‏

ولعل التشخيص الدقيق لحالة الزعيم في كل من الحالتين الصهيونية والنازية إنه في دائرة) سيودولوجيا فانتاستيكا) ضمن إطار هستيري يتميز صاحبها بموهبة غريبة تجعله يصدق أكاذيبه هو؛ مثل هؤلاء يصادفون نجاحاً، لفترة قصيرة، ولهذا السبب يكونون خطرين ا جتماعياً.‏

فالنقص (السيكوباتي) ناتج حركة قبلية موجودة في ساحة ما وراء الشعور لذلك أتت على شكل ممارسات معقدة معتمدة على عقيدة لا واعية كقوى تعويضية.‏
فالزعيم النازي لا يستطيع الانخراط في حياة اعتيادية والتكيف مع قوانين المجتمع المنظم، شأنه شأن الزعيم الصهيوني، وإنما يستطيع كل منهما النجاح فقط عندما يقوم كل منهما شخصياً بفرض قوانينه على المحيط من خلال خرق النظام الاجتماعي.‏



التصنيفات :بحوث استراتيجية

العنصرية والجنس

العلاقة بين الجنس والعنصرية تصب، آلياً،. في قوانين نيرنبرغ، فمن (التحيا) الفاشية إلى (كاخ) النازية، كان المرور الحزبي لأولئك الذين اتهموا كلاً من الفاشي رفائيل إيتان وأريئيل شارون، (جنرالي) مذابح صبرا وشاتيلا؛ بجرم التساهل مع العرب، الأمر الذي أدى إلى انتقال عناصر في جيش الاحتلال إلى كتلة (كاخ) اعتناقاً، بعدما ثبت لهم، بالتجربة، أن حزبي (رفول) و(أريك) حزبان متساهلان مع العرب!!‏ 

قامت تلك الكتلة بنشر صورة تظهر فيها مجندة يهودية تصافح عربياً، كرسالة موجهة إلى (الحريديم) الذين يقولون أن المجندات يضاجعن العرب.‏

اتجهت تلك المجندة إلى المحكمة وطالبت بحظر نشر صورتها. التي تبين، فيما بعد، أنها مزيفة؛ أخذتها (كاخ) عن أسبوعية عسكرية تظهر المجندة (ليلي أسفير) تصافح أحد القادة الصهاينة، وأجرت عليها بعض الرتوش، هذا كل شيء..‏

ولدت هذه الصورة انطباعاً يقول بأن الفتاة اليهودية تقيم علاقات مع العرب، وهذا تقاطع مع (ديرستيرمر).‏

هذا التركيز على الجنس، من قبل الصهاينة، هو أحد النقاط المشتركة بينهم وبين النازيين، فكل صهيوني ليس إلا (يوليوس شترايخر) محرر (دير شتيرمر).‏

و(شترايخر) هذا كان معلماً يعتدي على التلميذات وقد كان صديقاً حميماً لأدولف هيتلر، وادّعى أن الفهرر يقرأ أسبوعيته قبل أية صحيفة أخرى.‏

العلاقة بين العنصرية والجنس علاقة معروفة، فالحركات العنصرية المتطرفة تستهوي ذوي العاهات النفسية، الراغبين بالتغلب على إحساسهم بالنقص، وشعورهم بالفشل عن طريق التغني بالشعب السيد أو العرق الأسمى، إذ يعاني هؤلاء من فشل جنسي على الأغلب، يدعوهم إلى إخفاء فشلهم وراء الحقد على الآخرين، (ذوي القدرة الجنسية الكبيرة، ممن يغتصبون النساء).‏

ظاهرة أن الآخر يتمتع بقدرة جنسية عالية مع انحرافات جنسية مختلفة، هي ظاهرة مرافقة لكل حركة عنصرية، وهي الظاهرة نفسها التي سادت بين البيض في الولايات المتحدة تجاه الزنوج.‏

جاء في كتاب (أشواك في عيونكم) الذي ألفه ميئير كاهانا:‏

“الانحراف الجنسي لدى العرب يمكن تفسيره على النحو الآتي:‏

جرائم الجنس التي يقوم بها العرب ضد النساء اليهوديات نابعة من مرض مستعص لديهم، إضافة إلى رغبتهم في مهاجمة العدو وإخضاعه، وكلما ازدادت نسبة العرب في المناطق اليهودية ازدادت، بالمقاييس نفسها، الجرائم بشكل عام، والجنسية منها بشكل خاص، ضد اليهود”.‏

الجمل نفسها قالها أشخاص على شاكلة كاهانا في الولايات المتحدة تجاه الزنوج الذين يمرون في أحياء البيض، وهي الجمل التي يقولها الاشكنازيم عن السفاراديم الذين يمرون في أحيائهم.‏

 

التصنيفات :بحوث استراتيجية

ليبيرتي … والتآمر على الشعب الأميركي

أبرقت السفارة الأميركية في تل أبيب إلى واشنطن تقرير محكمة التحقيق الإسرائيلية حول قيامإسرائيل” بتدمير السفينة الأميركية ليبرتي في المتوسط، تضمنت البرقية رسالة توصية من “الحكومة الإسرائيلية” تطلب فيها عدم إطلاع الشعب الأميركي على التقرير. والسبب من وراء إخفاء التقرير عن الشعب الأميركي هو معرفة كلا الحكومتين الإسرائيلية والأميركية أن ذريعة الاشتباه بهوية السفينة أوهى من أن تصدق [Ennes believes this: See National Review, September 5, 1967].

كما تسلم وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية آنذاك (يوجين روستو)، طلباً آخر بالمحافظة على سرية التقرير.‏

[Another request for: Ennes interview, April 30, 1985]

وما إن وصلت الرسالة مع التقرير الإسرائيلي إلى وزارة الخارجية الأميركية، قام المستشار القانوني للوزارة (كارل ف. سالانز) بإعداد تقييم للتقرير الإسرائيلي ورفعه إلى وزير الخارجية وقتذاك (دين راسك).‏

وأوضح (سالانز) أن العذر الإسرائيلي بعيد عن التصديق وأنه- أي سالانز- قد عثر على ما فيه الكفاية لتكذيب الورقة الإسرائيلية تكذيباً تاماً، فقد ثبت أن الطائرات الإسرائيلية كانت تعرف هوية السفينة، وأن زوارق الطوربيد الإسرائيلية تحققت من هذه الهوية، إضافة إلى العلم الأميركي وعلامات السفينة الفارقة ومواقيت الهجمات المتتالية.‏

على حين ذكر التقرير الإسرائيلي أن ليبرتي كانت تسير بسرعة تتراوح بين 28 و30 عقدة،مما أثار الشبهات”، في حين كانت سرعتها خمس عقد فقط. وتزعم طائرات الاستطلاع الإسرائيلية أنها قامت بطلعتي استكشاف فوق ليبرتي، واحدة في الساعة السادسة والثانية في الساعة التاسعة صباحاً، بينما حلقت في الواقع، ثماني مرات فوقها، أولها في الخامسة والربع صباحاً وآخرها في الواحدة إلا ربعاً بعد الظهر.‏

واتهم التقرير الإسرائيلي ليبرتي بإطلاق النار بعد أن رفضت طلب التعريف عن نفسها. غير أن الكابتن (ماكجوناجل) أفاد بأن الإشارة الضوئية الوحيدة صدرت عن زوارق الطوربيد عن بعد 2000 ياردة بينما كان الهجوم دائراً والطوربيدات في طريقها إلى السفينة. ولم يكن بالإمكان قراءة تلك الإشارات الضوئية بسبب الدخان واللهب المتقطع. ونظراً لعدم رؤية هذه الإشارات لم تجب ليبرتي، وبعد ذلك، في الحال، ضربت السفينة بطوربيد وقتل 25 بحاراً فيها على الفور.‏

ويدعي التقرير الإسرائيلي بأن ليبرتي لم تظهر العلم وعلامات التعريف، على حين أفاد خمسة من أفراد الطاقم أنهم شاهدوا علم الأسطول يرفرف طيلة الصباح وحتى وقوع الغارة الجوية، وعندما ضرب العلم خلال الغارة، رفع علم أكبر منه قبل أن يبدأ هجوم زوارق الطوربيد، أما علامات الهيكل فكانت واضحة ومدهونة حديثاً، وحاول الإسرائيليون التنصل من المسؤولية بالتشديد على أن الحافز للهجوم كان تقارير تفيد أن المنطقة الساحلية تتعرض للقصف من البحر، ويقول (سالانز) أنه لا بد أن يكون واضحاً لأي مراقب متمرن أن المدافع الصغيرة على ظهر ليبرتي لا تستطيع قصف الشاطئ.‏

رفع (سالانز) تقريره إلى وكيل وزارة الخارجية الأميركية (روستو) بتاريخ 21 أيلول 1967. وهذا يعني أن كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية علموا ببطلان الادعاءات الإسرائيلية بشأن ليبرتي عقب الهجوم مباشرة.‏

وبتوافر وثيقة كهذه تدحض المزاعم الإسرائيلية، يقول Paul Findley في They Dare To Speak Out: من المنطقي أن تكون الخطوة التالية إحالتها على الحكومة الإسرائيلية لتعلق عليها، ومن ثم نشر النتائج.‏

ولكن بدلاً من ذلك، دمغ التقرير بعبارة “سري للغاية” وتم إخفاؤه، كما هي حال التقرير الإسرائيلي الذي ما زال بعيداً عن أعين الشعب الأميركي.‏

إن التضليل الذي مارسته السياسة الإسرائيلية بالاشتراك مع السياسة الأميركية وأجهزة استخباراتهما ضد الشعب الأميركي لهو شاهد على تآمر عريق بين السياستين على حساب الشعب الأميركي وشعوب العالم. وخاصة منها من يرفض السياسة الأميركية لتهديدها وجوده، وكذلك من يرفض السياسة الإسرائيلية نتيجة لتهديدها شعوب العالم.‏

ويجدر القول أن وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية كانت تعلم قبل الهجوم بيوم أن الإسرائيليين خططوا لإغراق السفينة، ومع ذلك، وبعد لحظات من آخر طلقة على ليبرتي، تلقى البيت الأبيض اعتذاراً من المسؤولين الإسرائيليين الذين قالوا إن الهجوم كان خطأ مأساوياً، وأرسل رئيس وزراء الكيان الصهيوني وقتذاك (ليفي اشكول) برسالة تعزية إلى الرئيس الأميركي (جونسون) وقبل هذا الأخير هذا التفسير على الرغم من أن المعلومات التي توافرت في الحال أثبتت أنه كذب وبهتان.‏

ورددت معظم تعليقات أعضاء الكونغرس تفسير الرئيس للهجوم فيما استحوذت على الشعب الأميركيالنشوة بانتصارات إسرائيل”، وكتب مراسل صحيفة الواشنطن ستار من تل أبيب يقول: “بعد أسبوع من الهجوم على السفينة الأميركية ليبرتي لم يعرب أحد من الذين يقابلهم هذا المراسل مرات عدة يومياً- من سائقي سيارات عمومية وموظفين في رقابة الصحف ونادلين وجنود- عن أسفه لمقتل هؤلاء الأميركيين” [Smith Hempstone, Foreign: Washington Star, June 16, 1967].

وتجنب البنتاغون أسئلة الصحفيين واعداً إياهم ببيان شامل متى انتهى التحقيق الرسمي بإشراف الأميرال (إيزاك كيد).‏

[The Pentagon Staved: U.S. News and World Report, June 26, 1967; Defense Electronics, October 1981].

وأصدر كيد أوامر صريحة إلى أفراد طاقم ليبرتي “لا تردوا على الأسئلة، وإذا ما أحرجتم قولوا لهم أن الأمر كان حادثاً عرضياً وأن إسرائيل قد اعتذرت عنه، ولا تقولوا شيئاً غير ذلك”. وقد أكدوا لأفراد الطاقم أن بوسعهم التكلم بحرية مع الصحفيين متى أعلنت نتيجة التحقيق. ثم تغير الوضع فأمروا فيما بعد أن لا يدلوا بمعلومات غير ما ورد في محضر التحقيق.‏

وكانت المحكمة ما زالت تستمع إلى إفادات الشهود عندما ظهرت في الصحافة الأميركية التهمة بأن الهجوم كان متعمداً. [The Court: New York Times, June 18, 1967]

وجاء في نبأ نقلته الأسوشيتد برس من مالطا أن بعض كبار ضباط الطاقم قالوا إنهم متأكدون أن الإسرائيليين كانوا يعرفون أنها سفينة أميركية قبل أن يشنوا الهجوم عليها. “فقد كنا نرفع العلم الأميركي بنجومه وخطوطه ومن المستحيل أنهم لم يعرفوا من نحن” غير أن الأسطول شك في هذه الأقوال وقال إن الولايات المتحدة “قبلت تماماً اعتذار إسرائيل“. وما إن انتهى الأميرال كيد من الاستماع إلى إفادات الشهود حتى حمل صندوقاً مليئاً بالوثائق إلى واشنطن ليستجوبه رئيس عمليات الأسطول الأميرال (مكدونالد) وغيره من زعماء الكونغرس قبل صدور البيان الذي طال انتظاره.‏

[Testimony completed, Admiral: Admiral Isaac Kidd, interview, October 7, 1983]

وعندما صدر أخيراً لم يكن شاملاً.‏

[When Finally released: Office of Assistant Secretary of Defense (Public Affairs); News Release, June 28, 1967]

ولم يحاول تحديد المسؤولية، بل إنه ركز بالكلية تقريباً على تصرفات الطاقم أثناء الهجوم.‏

ولم يكشف البيان الذي خضع للرقابة، النقاب عن أن السفينة كانت تحت رقابة جوية إسرائيلية عن كثب مدة ساعات قبل الهجوم، وأن إسرائيل أنذرت الولايات المتحدة تكراراً قبل الهجوم بأربع وعشرين ساعة بأن تنقل ليبرتي.‏

[The censored summary: Ennes, Assault on the Liberty]

ولم يدحض البيان ادعاء الاشتباه بهوية السفينة، بل إن الأسطول ذكر خطأ أن الهجوم استغرق ست دقائق بدلاً من 70 دقيقة، وأكد زوراً وبهتاناً، أن إطلاق النار توقف كلية عندما اقتربت زوارق الطوربيد إلى الحد الذي تأكدت فيه من هوية العلم الأميركي، ولم يذكر الأسطول شيئاً عن النابالم أو عن تدمير قوارب النجاة، بل طمس التقارير التي تقول إن الريح كانت تحرك العلم الأميركي بشكل يجعله واضحاً للعيان؛ غير أن البيان تضمن حقيقة واحدة بقوله:‏

[The report did: New York Times, June 29, 1967; also see Washington Post, June 30, 1967]

قبل الهجوم أمرت هيئة الأركان المشتركة ليبرتي بأن تبتعد عن الساحل” غير أن الرسالةضلت طريقها، وتأخرت ولم تصل إلا بعد وقوع الهجوم”.‏

وانتقدت عدة صحف بيان البنتاغون، فقالت النيويورك تايمز أن البيان “يترك الكثير من التساؤلات من غير جواب“. [The New York: New YorkTimes, July 1, 1967]

واستخدمت الواشنطن ستار كلمة “تعتيم” ووصفت البيان بأنه “إهانة” وطالبت بتحقيق أعمق وأوسع. [The Washington Star: Washington Star, June 30, 1967]

وقال السيناتور (ج. وليام فولبرايت)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية (دين راسك) إن الحادثة “محرجة جداً”.‏

وختمت الواشنطن ستار بقولها: “ومهما يكن معنى هذا، فإن الإحراج لا يبرر المكر والخداع”.‏

وفي أوائل تموز نقلت الأسوشيتدبرس عن (ميخاليمور) الجندية الإسرائيلية الاحتياطية التي كانت في أحد زوارق الطوربيد المهاجمة قولها إن البحارة الإسرائيليين لاحظوا ثلاثة أرقام وهم يطوفون حول ليبرتي ولكنهم أصروا على أن هذه الأرقام لا تعني لهم شيئاً.‏

[In early July: New York Times, July 7, 1967]

وكاد الملازم جيمس م. اينس، وهو ضابط الشيفرة في ليبرتي يجن حين قرأ رواية (ليمور) وهو في المستشفى يتعالج من جروح شظية، وقال إنه كان ساعة الهجوم مسؤولاً عن ظهر السفينة، وقال إن اسم السفينة كان ظاهراً بأحرف بارزة على المؤخرة وكذلك رقم هيكلها في المقدمة، وأن الهواء كان يحرك العلم الأميركي بحيث يرى بسهولة.‏

{Lieutenant Jams M.: Ennes, interview, April 30, 1983]

ويذكر أنه كان قد أمر صباح يوم الهجوم الباكر برفع علم جديد من قياس 5 × 8 قدم. وعند وصول زوارق الطوربيد كان العلم الأصلي قد سقط. غير أن واحداً أكبر منه من قياس 7 × 13 قدم كان قد رفع ويرى واضحاً من طرف عارضة الشراع. وأكد أن المهاجمين سواء من الجو أو من البحر لا يمكن إلا أن يتعرفوا على هوية السفينة. ويضيف الملازم اينس أن المسؤولين عن اعتراض ليبرتي سمعوا طياري طائرات الاستطلاع الإسرائيلي بوضوح يبلغون القيادة الإسرائيلية أن السفينة أميركية.‏

أما فيما يتعلق بالدوافع الإسرائيلية الحقيقية للهجوم فيقول اينس أن المسؤولين الإسرائيليين ربما قرروا تدمير السفينة لأنهم خافوا من أن تتحرى أجهزة التنصت الحساسة فيها الخطط الإسرائيلية لغزو مرتفعات الجولان السورية، ويجدر بالذكر هنا أن إسرائيل قامت بغزو الأراضي السورية في اليوم التالي للهجوم على ليبرتي وذلك على الرغم من موافقة إسرائيل قبل ذلك، على وقف إطلاق النار مع العرب.‏

إن عملية تدمير السفينة الأميركية ليبرتي على يد كل من سلاح الجو والبحر الإسرائيليين لهو شاهد على حرب إسرائيل ضد الشعب الأميركي وضد شعوب الأرض جميعاً، فقد عملت وما زالت على تضليل الشعب الأميركي وسرقته والعبث به، دونما حراك من هذا الشعب لوقف هذا الانتهاك.‏

 

التصنيفات :بحوث استراتيجية