أرشيف

Archive for 18 مارس, 2010

من يدق طبول الحرب?!


 

من المعروف أن اليورانيوم يحتاج إلى سلسلة من المعادلات والتجهيزات؛ وقد يستغرق وقتاً طويلاً ليتم تحويل اليورانيوم بوجود الماء الثقيل إلى مخصب تختلف نسبته باختلاف الغرض المراد منه هذا التخصيب؛ فقد تحتاج دولة ما إلى سنوات لتصل إلى نسبة تخصيب 20% بينما رفع هذه النسبة إلى 90 ـ 95%، النسبة المثلى للحصول على السلاح النووي، يحتاج إلى ستة أشهر تقريباً.

إن تصريح القيادة الإيرانية التوصل إلى تخصيب نسبته 20% شدد مخاوف المجتمع الدولي من احتمال استخدام طهران اليورانيوم المخصب في صنع السلاح النووي. لذلك تعكف الولايات المتحدة على تحضير سلة جديدة من العقوبات القاسية ضد إيران لتعرضها على مجلس الأمن الدولي تمهيداً لإقرارها، في وقت يجري بحث احتمال تسديد ضربات استباقية إلى المواقع النووية الإيرانية قائماً على الرغم من معارضة كبار المسؤولين العسكريين الأميركيين تطور الأحداث بهذه الصورة، كما إن أية ضربة إلى إيران لن تكون حاسمة من حيث مهمة وقف البرنامج النووي الإيراني، وستكون عواقب أية عملية حربية ضدها أمراً يصعب التكهن بمخاطره. على هذه الخلفية يبحث الخبراء عموماً في سيناريوهات تطور الأحداث ابتداء من إمكانية انتساب إيران السلمي إلى النادي النووي العالمي، وانتهاء بتحليل العواقب الممكنة في حال عزمت الولايات المتحدة وإسرائيل أو أي منهما على تجاوز الخط الأحمر واللجوء إلى استخدام القوة ضد إيران.

السلاح النووي يحتاج إلى مستوى تخصيب أكثر من 90% وتستطيع إيران التوصل إليه في غضون أشهر قليلة إذا ما أرادت، وهي تعلن دائماً أن برنامجها النووي هو برنامج سلمي صرف.

«الهند ومن ثم باكستان، صرحتا، في البداية، كما تصرح إيران اليوم بأن برامجهما النووية برامج سلمية إلا أن الصناعة النووية فيهما تطورت تدريجياً، وعندما باتت القاعدة المادية جاهزة لدى باكستان والهند، أعلنتا أنه بسبب الظروف الجيوستراتيجية المحيطة، من الضروري لهما أن تملكا سلاحاً نووياً» [د. فيكتور ميزين ـ نائب مدير معهد الدراسات الدولية لدى جامعة العلاقات الدولية في روسيا].

إن مستوى 20% من تخصيب اليورانيوم هو ما يسمح بتطوير طاقة نووية سلمية؛ والطاقة النووية عند إيران ليست فقط برنامجاً تكنولوجياً بل هي فكرة وطنية: الإيرانيون، بطبيعتهم، يحسبون بدقة متناهية قدراتهم وثرواتهم ويدركون جيداً أن ما يملكونه من هايدروكربونات، غاز ونفط، لا تسد حاجة اقتصادهم من الطاقة الكهربائية تحديداً؛ والكهرباء، كما هو معروف، هي أساس تطور أية دولة؛ ومشكلة إيران الثانية، حالها حال باقي دول الحضارة الإنسانية تكمن في صحة الأمة؛ فاليورانيوم المخصب حتى 20% يوفر حلولاً لكثير من المسائل الطبية، كالنظائر المشعة للتصوير بالرنين المغناطيسي، وكذلك للأجهزة الإلكترونية الحاسوبية التي تكشف عن أمراض السرطان وتستخدم في علاجه.

ومن الجدير بالذكر أن الأميركيين مع شركائهم كانوا قبل ثلاثين عاماً يعملون على تطوير الطاقة النووية في إيران أيام نظام الشاه رضا بهلوي، وكانوا يعدون إيران مصنعاً نووياً كبيراً لإنتاج البلوتونيوم المخصص للسلاح النووي والقنابل الذرية، ولكن عندما انتصرت الثورة الإسلامية الخضراء، تغيرت الأمور جذرياً وراديكالياً وتغيرت معها مواقف الغرب.

كما إن ذريعة عدم تعاون إيران مع مفتشي الوكالة الدولية، ليست مفهومة خاصة وأن عدد عمليات التفتيش وصلت إلى أكثر من ثمانماية عملية في السنوات الخمس الأخيرة.

أما فيما يتعلق بما جاء في قمة بتسبورغ وما جاء في خطاب أوباما من أن معلومات استخباراتية تجسسية قطعت بأن إيران تقوم، سراً، بإنتاج ما هو محظور عليها، (معلناً) أنه تم اكتشاف مصنع نووي قرب مدينة (قم)، فقد جاء على لسان الدكتور فلاديمير أونيشينكو، رئيس تحرير وكالة إيران نيوز الروسية للأنباء،

أن مصنع (قم) ليس سراً أبداً؛ فقد أرسلت إيران أخطاراً للوكالة الدولية حول هذا المصنع: “كنت آنذاك مع مجموعة من الصحفيين والزملاء من مركز دراسات إيران المعاصرة في طهران، عندما أطلق أوباما ذلك الخبر، واتصلت فوراً من استوديو قناة روسيا في إيران حيث تواجدت حينها، لأعرف حقيقة الأمر وأخبروني، كما أعلن رسمياً، بذلك؛ وعندما عاد الرئيس مدفيدف إلى موسكو غير ما جاء في عبارته: -«بما أن إيران تتصرف بهذه الطريقة غير المتحضرة فمن الممكن أن نوافق على فرض عقوبات ما عليها»- وذلك بعد أن وجد مدفيدف نفسه مضطراً لإبداء ردة فعل ما على ما طرحه أوباما في القمة، وتوقفت الدبلوماسية الروسية حتى عن ذكر العقوبات؛ وعندما وصلت هيلاري كلينتون إلى موسكو محاولة الضغط على وزير خارجيتنا لافروف في مسألة العقوبات، ردّ لافروف بكل صراحة: من الضروري التريث وانتظار صدور تقرير الوكالة الدولية”.

وفيما يتعلق بصفقة الصواريخ الروسية المضادة للصواريخ S300 إلى إيران فقد اعترضت إسرائيل على هذه الصفقة إذ أكد نتنياهو للقيادة الروسية أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال توريد هذه الصواريخ إلى إيران؛ والإيرانيون ينظرون إلى ما يجري إهانة لهم ففي البدء جرت مفاوضات مع روسيا وعقدت اتفاقية حول هذه المنظومة ومن ثم جمدت موسكو هذه الصفقة…!؟

وفي معرض الحديث عن استجابة موسكو للضغوط الإسرائيلية يقول فيكتور ميزين أنا أعتقد أن تصرف روسيا هذا لم يكن بسبب انحنائها لضغوط ما من الغرب، فلا أميركا ولا إسرائيل ولا غيرهما، بإمكانهم أن يفرضوا ضغوطاً على روسيا، لا اقتصادياً ولا عسكرياً ولا سياسياً، فروسيا تتصرف وفق نظرتها الخاصة، وذلك لمصلحة استقرار المنطقة، ولدرجة معينة، تصرف روسيا هذا يهدف إلى تجنيب إيران ذاتها ضربات ما ضدها، فالرؤوس الحامية في إسرائيل صرحت مراراً أنه ما إن تحصل إيران على المنظومة S300 حتى تقرر إسرائيل إلحاق ضربة بها، وأنا أعدّ أنه لا مجال لأية ضربة ضد إيران، فحتى لو استخدمت إسرائيل أحدث صواريخها فلن تكون مؤثرة، ولإيقاف برنامج إيران النووي يجب أن يمحى عن وجه الأرض أكثر من خمسمائة موقع في هذه الدولة.

روسيا تحذر من أية ضربة ضد إيران، فإذا ضربت مواقع S300 سيؤثر ذلك على روسيا، وكما قال تشرشل مرة: خاصرة روسيا الضعيفة هي جنوبها، فليس لروسيا مصلحة أبداً في بؤر نزاع أو توتر أو حروب في جنوبها، وكذلك في نشوء دولة نووية جديدة هناك، وروسيا أيضاً لا تريد، بأي شكل من الأشكال، أن تقوم أميركا بضرب إيران، فالولايات المتحدة بكل قوتها لم تنجح في العراق؛ وإيران، كما نعلم، تملك قدرات دفاعية أقوى بكثير من مما كان العراق يملكه، وأية حرب هناك ستوتّر الأوضاع وتؤثر على روسيا، وقد تسبب موجات نزوح هائلة من تلك المنطقة، كما إن هذا التوتر سيكون ذريعة جديدة للأميركيين والناتو لتعزيز تواجدهم هناك على مقربة من روسيا، وهذا أمر لا ترغب به روسيا أبداً وأعتقد أن أمل نتنياهو قد خاب من زيارته إلى موسكو، لأن قيادتنا لم تجبه لا بنعم ولا بلا، فسياسة روسيا متوازنة جداً، ووفق المعلومات المتوفرة لدى هيئاتنا المختصة: لا تسعى إيران لامتلاك سلاح نووي، ولكن إذا ما نظرنا إلى مسار تطور برنامج إيران النووي نستشف أنه عندما تحصل إيران على إمكانية إنتاج الطاقة النووية السلمية، وعلى التكنولوجيات المتقدمة، فسيكون من الصعب عليها أن تكبح رغبتها في امتلاك السلاح النووي، لاسيما بوجود هذا الخطر المحدق بها، المتمثل بأميركا وإسرائيل، وبوجود هذه التهديدات المستمرة لها ولأمنها، ولمصالحها، وإيران تعد السلاح النووي سلاح ضبط نفس لكي تحمي أراضيها”.

تدرك إسرائيل جيداً أن سياسة الضربات العسكرية لن تأتي بأية نتائج، وفي الوقت نفسه الدبلوماسية تراوح مكانها والعقوبات أيضاً لا تأتي بفائدة، ومعلوم للجميع أن العقوبات التي تفرض على أية دولة تضر أولاً بالسكان البسطاء، ولا تؤثر أبداً على القيادات والنخب السياسية، وهذا أحد الأسباب التي دفعت كل من الصين وروسيا، وفق ما أعلن، إلى معارضة العقوبات، كما وإنها في حال فُرضت ستعملان على أن تكون أقل إيلاماً وإضراراً بإيران.

من ثم عند الحديث عن مستقبل افتراضي تمتلك فيه إيران سلاحاً نووياً فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو أين سيستخدم هذا السلاح!؟! وهذا بالذات ما ألمح إليه الرئيس أحمدي نجاد في إحدى المقابلات التلفزيونية مجيباً على السؤال:

ما سبب سعي إيران الحثيث لامتلاك تكنولوجيا نووية تسمح لها بإنتاج قنبلة ذرية؟!

وقد أجاب بسؤال: “هل ساعدت الأسلحة النووية الأميركيين؟!

السلاح النووي ليس وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية أو اقتصادية أوسياسية، بل هو عنصر للردع، والولايات المتحدة، خاضت حرباً في كوريا، وكانت تمتلك سلاحاً ذرياً- كانت قد استخدمته قبل ذلك وضربت هيروشيما وناغازاكي- ولم تستفد منه، وكذلك خاضت حرباً في فيتنام وهزمت فيها، واليوم تخوض حربين في وقت واحد؛ في العراق وفي أفغانستان، ومن المستحيل أن تستخدم هناك أسلحة نووية”.

وبالفعل فحتى لو امتلكت إيران سلاحاً نووياً فأين ستستخدمه؟! يقولون ضد إسرائيل، ولكن في هذه المنطقة يعيش عرب أيضاً وبناء على ماجاء على لسان المحللين لن يقدم الإيرانيون أبداً على ضرب إخوتهم في الدين، لا سيما بسلاح نووي، هذا أمر، لن يقدم الإيرانيون عليه أبداً.

كما إن السلاح النووي لم يكن وسيلة حرب إلا عندما ابتكر، في بداية فترة تصنيعه وإنتاجه، أما اليوم فهو وسيلة ضبط نفس، وقد نظرت الولايات المتحدة بالفعل في إمكانية استخدامه بعد هزيمتها في شبه الجزيرة الكورية، ثم ما لبث الجميع أن أدركوا أن مجنوناً فقط يمكن أن يستخدم السلاح النووي؛ فصدى هيروشيما و ناغازاكي مازال مدوياً إلى اليوم.

والسلاح النووي، بعبارة أخرى، هو سلاح الفقراء اليوم، وسلاح تلك الدول التي لا تستطيع تطوير تكنولوجيات متقدمة وحديثة؛ فكما نعلم، تقلص الدول المتقدمة من اعتمادها على السلاح النووي لصالح منظومة الأسلحة الذكية عالية الدقة.

وبعد هذا وذاك دعونا نفكر أكثر في السؤال:

المنطقة إلى أين!!!


الإعلانات
التصنيفات :بحوث استراتيجية